الثلاثاء، 28 فبراير 2017

سفر التيه


في بيتنا كتاب
سفر التيه لـ / محمد إبراهيم


في الآونة الأخيرة اكتشفت أنه لا يوجد عندي قواعد أو قوائم قراءة ملتزمة بها، وهذا الشيء بدأ يزعجني وبشدة. تعودت أن أضع الخطط المسبقة لقراءة كتب بعينها في أول كل شهر لاكتشف في نهايته أنني لم أقرأ أي شيء منها بل تجاوز الوضع واكتشف أنني قرأت ما لم يخطر على بالي ولم يكن بالحسبان أبدًا.

وفي نهاية شهر فبراير ومع تراكم الكتب التي أرغب في قراءتها قبل نهايته وجدت نفسي اختار رواية سفر التيه للصديق محمد إبراهيم وأشرع في قراءتها لأجدني وقد التهمتها في جلسة واحدة قصيرة.

نبدأ من عنوان الرواية والذي يفتح شهية القارئ للتساؤل عن المعنى الذي يقصده الكاتب من "سفر" وهل هي "سَفر" أو " سِفر" بفتح السين أم بكسرها وإن كنتُ أميل للأخيرة فهي الأصلح للرواية من وجهة نظري.

جاءت بداية الرواية قوية ومتماسكة جدًا حيث نرى الكاتب وقد بدأ يسحبنا معه ليدمجنا في روايته وحكايات أبطاله الخمسة المتشعبة والمترابطة في نفس الوقت.

للكاتب قدرة على التلاعب في الألفاظ بالإضافة إلى استخدام الجمل المتناسقة والمُتروية التي تقرأها بتمهل مستمتعًا بما خطته أنامل الكاتب حيث تشعر بأنه قد تشرَّب حد الثمالة من كتابات الأدباء الكبار حتى تشبع منها وكاد أن يصير واحدًا منهم، فلا تشعر هل يكتب وهو متقمصًا شخصياتهم أم متماهيًا مع طريقتهم في الكتابة!

الحاصل أنك تخرج من الرواية وأنت تشعر بأنك تقرأ لكاتب موهوب يجيد استخدام أدواته بشكل كبير.

ما أعجبني في الرواية:

أولاً موضوع الرواية نفسه وتناول مسألة سيناء وأهلها ووضعها تحت بؤرة الضوء مرة أخرى من خلال رحلة الموت التي خاضها الأبطال في أحد جبالها.

ثانيًا لغة الكاتب الجميلة والمتناسقة والسلسة في الانتقال بين الشخصيات وتمثيلهم خير تمثيل.

ما لم يعجبني في الرواية:

أولاً فكرة الرواية جميلة إلا أن الكاتب لم ينجح في إيصالها بشكل تام أو واضح، كان الحديث مقتضبًا ومجزوءًا. قضية سيناء متشعبة وثرية وكان يمكن للكاتب التوسع في الحديث عنها ومناقشة كل قضاياها وبمصطلح الحائكين " قماشتها عريضة وواسعة" لكن للأسف الكاتب لم يستغل هذه النقطة وجاء حديثه مختصرًا ومهلهلاً.

ثانيًا جاء صوت الراوي متحدثًا كل مرة بصوت بطل من أبطال الرواية ثم فجأة نجده عندما اقتربت الرواية للنهاية يتحدث بلسانهم جميعًا بصوتٍ واحد وقد كنتُ أتمنى لو استمر على نفس المنوال في حتى النهاية.

ثالثًأ أقول دائمًا لنفسي أن آفة الكُتَّاب الشباب هو التسرع كلما اقتربت النهاية، مشكلتنا ككتاب شباب يكمن في " القفلة" أي قفلة الرواية وهذا يحدث معنا جميعًا ولا استثني أحدًا إلا من رحم الله. فالرواية تسير بخطى ثابتة وواضحة وفجأة تجد الكاتب وقد تسرع ولم ينتظر نضج روايته على النار التي أوقدها وهذا بالضبط ما حدث هنا، نجد الكاتب وقد أسدل الستار عليها قبل الأوان. لقد أنهى الرواية قبل أن تبدأ فعليًا، كنت اقرأ وأنا في انتظار رحلة الموت وعن ماذا سوف تتكشف لكني فوجئت بالنهاية المبتورة للرواية.

رابعًا كنتُ أتمنى على الكاتب لو أنه استفاض بالحديث عن شعور كل بطل من أبطاله أثناء رحلتهم إلى سيناء وعندما هاجمهم الموت بردًا في حضن الجبل، كنتُ انتظر المصارحات والتجليات التي سوف يعلن عنها الأبطال في لحظة اقتراب الموت منهم، كنتُ انتظر من سوف يدافع عن رفيقته أو من سوف يحاول النجاة بنفسه دونها، كنتُ انتظر من سوف يعترف بأخطائه ويتمنى لو أن القدر يمهله حتى يصلح ما يمكن إصلاحه. لكن للأسف لم أجد شيئًا من هذا القبيل في النهاية. فجأة عرفت أن بطلي الرواية قد استطاعا الهرب بطريقة ما لم يذكرها الكاتب من الموت ثم فوجئنا بموت إحدى بطلاته دون مقدمات أو حتى حوار قصير متبادل مع رفيقها أو حتى مقدمة لموتها بينما ترك مصير الأخرى مجهولاً وهذا ما خيب آمالي في الرواية التي بدأت قوية لتنحدر للأسف حيث النهاية المبتورة بشكل غير مبرر.

وفي النهاية لو قارنتُ بين " في بلاط الخليفة" وبين " سِفر التيه" فاعتقد أن الأخيرة قد خسرت في المقارنة للأسف.

لكن أعود وأقول أن هذا لا يمنع أن الكاتب مبدع وموهوب وإن أخفق بعض الشيء في هذه الرواية من وجهة نظري الشخصية غير الملزمة لغيري من القراء فكل قارئ له رأيه الشخصي الذي يُحترم وما يعجبني قد لا يعجب غيري والعكس صحيح فلولا الاختلاف لبارت السلع كما يقولون.

أتمنى أن يتسع صدر الصديق محمد إبراهيم لهذا الرأي في روايته والتي أهدف من خلالها وضع بعض الملاحظات التي قد يستفيد منها الكاتب في كتاباته القادمة من باب النقد البنَّاء وليس الهدَّام.

ورحم الله عمر بن الخطاب عندما قال: "رحم الله امرأَ أهدى إليّ عيوبي".

كل التوفيق وفي انتظار الرواية القادمة بكل شغف ومحبة وتقدير.


***

السبت، 18 فبراير 2017

جريمة في رام الله


في بيتنا كتاب
جريمة في رام الله لـ / عباد يحيى


نويت شراؤها من معرض الكتاب في القاهرة لأن اسم الرواية جذبني ثم عدلت عن ذلك بعد أن قرأت بعض الاقتباسات التي تداولها بعض الفيسبوكيين والتي تحتوي على عبارات ومقتطفات من الرواية خادشة للحياء العام !!!!؟

وكنت قد سمعت أن النائب العام الفلسطيني منع توزيعها وعمل على مصادرة النسخ من المكتبات العامة وأن الشرطة استدعت الكاتب والموزع للتحقيق.

أولا أنا ضد الوصاية الفكرية بكافة أشكالها وضد المنع وفي نفس الوقت أنا ضد استخدام عبارات بذيئة عامية وسوقية في النص الأدبي.

ثانيًا قبل قراءة الرواية طرأ في بالي أن الكاتب ربما أراد من وراء هذه الكتابة الشهرة وخاصة أننا شعوب تبحث عن الفضائح وعن كل ما هو ممنوع وشاذ وربما أنه أراد فقط أن يتعمق في المشهد المجتمعي ويتمثله بكل القبح الذي يكتنفه لذلك عمد لاستخدام ألفاظ الشارع الدارجة. 

أنا لستُ ضد التمثل بالواقع والتماهي فيه ونقله كما هو للقارئ لكن ضد استخدام الكلمات البذيئة وهي في نظري تعتبر من المنفرات في القراءة ولن تعود بفائدة أدبية على القارئ، كان يمكن للكاتب استخدام ألفاظ مقبولة أكثر ولائقة لنص أدبي مثل هذا.

عمومًا قلّت رغبتي في الحصول على الكتاب، ولم اهتم كثيرًا عندما علمت أنها متوفرة الكتروني فلم ابحث عنها.

ولكن أثناء تحميلي للأعمال الكاملة لنجيب محفوظ عرض الموقع أمامي النسخة الالكترونية من جريمة في رام الله كإحدى ترشيحاته ، فقلت لنفسي ما هذه الصدفة التي تدفعني دفعًا نحو هذه الرواية، ثم قمت بتحميلها وفي نيتي تركها بجانب الكتب على رف "للقراءة" وعندما انتهى التحميل قلت لنفسي لنأخذ نظرة سريعة على المحتويات لأجد نفسي وقد أنهيتها في جلسة واحد. 

الرواية ليست سيئة بالمطلق كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ، باستثناء طبعًا بعض العبارات البذيئة والتوصيفات المقززة والتي قد يجدها القارئ في أي كتاب أو رواية لكاتب عالمي من الشرق أو الغرب والتي في وجهة نظري تنقص من قيمة الكاتب عندي ولا تزيدها ولا أرى أي مبرر أو شفيع للكاتب مهما علت شهرته من استخدام مثل تلك الكلمات في نص أدبي مهما كانت الدوافع والمبررات، فالكاتب يجدر به أن يختلق توصيفات وعبارات تكون غارقة في الواقعية السوداوية لكن دون أن تثير اشمئزازي أو تقززي.

يستطيع الكاتب الجيد "الشاطر" أن ينقل فكرته ويطرحها بأمانة دون يلجأ لمثل هذه الألفاظ غير المقبولة على النفس البشرية السوية، ما ذنبي كقارئة كي اقرأ كلام بذيء في رواية اقرأها وأنا كمسلمة وكفلسطينية لم تتلفظ بحياتها بمثل هذه الألفاظ وتمنع وترفض استخدامها في بيتها وخاصة أمام صغارها.

أنا لا اعرف عباد يحيى معرفة شخصية ولا استطيع أن ادخل في عقله لاعرف دوافعه نحو كتابة هذه الرواية، ورأيي هذا لا يتعرض لشخصه بل لمادة روايته التي أصبحت بين يدي "سواء بطريقة شرعية أو بدون" ويحقُ لي نقدها كما أريد.

أيضًا الجزئية التي تحدث فيها عن أبو عمار، لا اعرف سببًا واضحًا لاختيار الكاتب للحديث عن رمز فلسطيني بهذه الطريقة، أنا من الأشخاص الذين يحبون أبو عمار محبة طفولية ولكني أيضًا من المؤمنين بأنه شخص نختلف معه لكن لا نختلف عليه، لكن الصورة التي رسمها الكاتب له جاءت مقززة ولا تليق برمز لقضيتنا الفلسطينية، لقد تجاوز أبو عمار كونه رئيسًا لمنظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية بل أصبح سواء اتفقنا على ذلك أم اختلفنا رمزًا لقضيتنا فلا يجوز من وجهة نظري الحديث عنه بهذه الصورة المخزية، أبو عمار ليس كبيرًا على النقد وأيضًا لم يكن إلهًا يعبده الفلسطينيون لكن هذا لا يعطينا الحق في التقليل من شأنه أو محاولة تشويه صورته بعد رحيله، أنا لا اعرف انتماء الكاتب الحزبي وإلا لكان زج اسم أبو عمار وإقحامه في رواية بهذه الصورة الفجّة له سببًا أو مبررًا.

بالنسبة لجزئية الطبيب النفسي كانت مقحمة ولا معنى لها سوى الاستعراض وأشك بأنها مناسبة للموقف فلم أر في حياتي طبيب نفسي يتكلم ولا يدع المريض يفتح فمه، أيضًا شخصية الطبيب في المشرحة لم تقنعني بالمرة وكانت غير مقبولة وحواره مع وسام واستخفافه بالجثة أمامه لم يوظف بطريقة صحيحة فالفلسطيني لا يتصرف هكذا في مثل هذه المواقف، أيضًا لم أر أي شخصية سوية في الرواية، الجميع سيئون ولا يوجد نموذج واحد لإنسان جيد أو متزن على الأقل .

عامةً الرواية جميلة باستثناء ما سبق قوله وهي مختلفة وقد استطاع كاتبها بكل مهارة ممكنة أن ينقلني بصورة آنية لشوارع رام الله وأحيائها ولكنها ليست رام الله التي عرفتها صغيرة وسكنت في وجداني وأحببتها من كل قلبي، هذه رام الله أخرى لا أعرفها ولا أريد، المدينة التي رسمها الكاتب هي مدينة مشوهة مختلة جعلتني اتساءل أين ذهبت المدينة التي عرفتها وزرتها عدة مرات في طفولتي البعيدة وتركت أثرًا طيبًا في روحي لا يزول، لكن عند وقوفي المطول أمام هذا السؤال تيقنت بأننا كفلسطينيين وللأسف الشديد فإن انتمائاتنا الحزبية تؤثر بصورة فجّة على نقلنا للصورة وللمشهد الفلسطيني بشكله الصحيح والموضوعي. 

الرواية أيضًا من نوعية الروايات التي كنت أتمنى أن اقرأها في الأدب الفلسطيني والتي تتناول المجتمع الفلسطيني من الداخل بعيدًا عن المحتل الإسرائيلي أو لنقل أن الاحتلال لم يكن على الأقل بطلاً في الرواية كعادة الكُتّاب الفلسطينيين عند حديثهم عن فلسطين بل كان متواجدًا باهتًا في الخلفية، ولم يكن هنا بأية حال الشماعة التي نعلق عليها أخطاؤنا.

من الواضح جدًا أن الكاتب موهوب ولغته طيعة وقريبة من القلب ولديه ما يقوله أو يضيفه للأدب، واعتقد أنه سوف يكون له مكانة مميزة في الأدب الفلسطيني، لم أندم على قراءة روايته ولكني استبعد أن اقرأ له مجددًا إذا أصر على سلك نفس الدرب في الكتابة "وأعني استخدام الألفاظ البذيئة والسوقية " وأتمنى ألا يفعل لأن قلمه يستحق أن يُقرأ.

***

الاثنين، 13 فبراير 2017

العمى


في بيتنا كتاب
العمى لـ / خوسيه ساراماجو



هناك بعض الكتب التي تقف عاجزًا بعد قراءتها عن كتابة أي مراجعة حولها، وهذا الكتاب واحدًا بلا شك منها.

إنها ليست رواية بل قل كابوس أو جحيم أو نوع من الديستوبيا.

هذه الرواية لا تقدم أسباب أو تفسيرات لك، هي بلا مقدمات، تقحمك في الحدث منذ اللحظة الأولى وأنت تسأل نفسك لماذا أصيب الجميع بالعمى باستثناء زوجة الطبيب وطبعًا لن تجد في متن الرواية سببًا لأي شيء، ما حدث حدث فجأة وبدون أسباب وعليك أن تتعايش مع الوضع الجديد والذي سوف ينتهي كما بدأ فجأة وبدون مقدمات أيضًا لكنك لن تعود أنت كما في السابق أي قبل أن تدخل في الحكاية.

هذه هي الحياة بكل تفاصيلها تكشف عن الجانب المشرق والجانب المظلم بداخلنا، تضع مشاعرنا الإنسانية على طاولة التشريح وتعريها أمامنا بلا أدنى رحمة أو اعتبارات أخلاقية.

"إذا كنا غير قادرين على العيش ككائنات بشرية فدعونا على الأقل نفعل كل ما بوسعنا كي لا نعيش كالحيوانات تمامًا."

هذه الرواية كانت على قائمة الكتب التي أرغب في قراءتها في ٢٠١٥ , وفي نهاية العام عندما اكتشفت بأنني نسيتها تمامًا وضعتها على قائمة كتب العام الجديد ٢٠١٦ , والذي لسببٍ ما لا أعرفه نسيتها تمامًا أيضًا ولم اقرأها. 

وفي بداية هذا العام ٢٠١٧ وجدتها أمامي صدفةً وقلت لن أؤجلها مرة أخرى وقد كان.

شرعت في قراءتها ورغم صفحاتها التي تجاوزت ال ٣٨٠ فقد أنهيتها في جلسة واحدة طويلة عزلتني بشكلٍ تامٍ عن العالم الخارجي.

في البداية تداخل الحوارات مع بعضها البعض كان مربكًا ومزعجًا لكن بمرور الوقت اعتادت عيني عليها وعقلي أيضًا وهذا بالضبط ما يحدث عندما تصاب بالعمى المفاجيء! فإنك تعتاد على الأمر وكأنك لم تكن مبصرًا يومًا ما.

"الصوت هو بصر من لا يستطيع الرؤية".

هذه الرواية أخافتني وبشدة، أنا لستُ أنا بعد قراءتها.


***