‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقوب في الذاكرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقوب في الذاكرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

أتدرون ما هو الوطن يا سادة؟!


أتدرون ما هو الوطن يا سادة ؟!

أتدرون ما هو الوطن يا سادة ؟!
الوطن هو معبر رفح وبيت حانون
هو كورنيش البحر والنادي البحري
حلويات ساق الله الشهيرة وأبو السعود
شاورما الشيخ وشارع فهمي بك
شارع صلاح الدين ووادي غزة
الوطن هو زيت الزيتون وأقراص العجوة
هو مناقيش الزعتر وخبز السمسم
هو الجميز والتَمَّور والتوت والصبر
الوطن هو شارع عمر المختار والساحة
الوطن هو الشجاعية ودوار عسقولة
الوطن هو خربة العدس ومخيم الشابورة
هو قبر أمي وقبر أخي
الوطن هو البرازيل وحي الجنينة
هو تل زعرب وتل السلطان
الوطن هو خان يونس والمواصي
النصيرات ودير البلح والمغازي
الوطن هو مقبرة الشهداء وشارع الرشيد
الوطن هو بوظة كاظم ومعتوق
الوطن هو الميناء والحسبة والشاليهات
هو النفق وبركة الشيخ رضوان والشارع الثالث
هو السودانية والتوام
الوطن هو الجندي المجهول ومنتزه البلدية
هو رشاد الشوا ودوار حيدر عبد الشافي
الوطن هو جامعة الأزهر والجامعة الإسلامية
الوطن دوار الخور وتل الهوى
الوطن هو المفتول والمقلوبة
هو السماقية والرمانية وشوربة العدس
هو سوق الزاوية والساحة وسوق الدنانير
الوطن وادي السلقا وجحر الديك
هو دوار دوله والصبرة والزيتون
الوطن هو السرايا وأبو خضرة
هو جامع الكنز والمجلس التشريعي
الوطن هو فلافل أبو طلال وأبو السعيد
حمص خميس عكيلة وحمص الخزندار
هو الشفا ومفترق الجامعة
هو أنصار وقصر الحاكم
وأرض الكتيبة
هو دوار بني سهيلا والشرقية
الوطن هو بنك فلسطين والبنك العربي
هو أمديست والمركز الفرنسي والمعهد البريطاني
الوطن هو مؤسسة فاتن وطاقم شؤون المرأة
هو برنامج غزة للصحة النفسية
الوطن هو سوق السيارات وسوق السبت
هو شركة باصات النيرب وأبو علبة وأبو رمضان
الوطن هو عنب الشيخ عجلين
وفراولة بيت لاهيا
الوطن هو شارع النصر ومخبز العائلات
هو عمو عماد وقرشلة الدهشان
هو المكتبة الهاشمية ودار الأرقم
الوطن هو جامع العودة والمسجد العمري
الوطن هو شاي يا حبايب وذرة روتس الغلابة
الوطن هو ع السكين يا بطيخ وزامور السيارات
الوطن هو أولاد المدارس الصبحية والظهرية
الوكالة والحكومة
هو النشيد الوطني وطابور الصباح
هو المريول الأخضر والمريول المخطط
الوطن هو صلاة العيد في برشلونة
هو جريدة القدس والحياة والأيام
هو مصانع العودة وشومر واسكمو العروسة
الوطن هو قهوة بدري وهنية
الوطن هو " كعييك كعييك" على الساعة ستة ونص الصبح
هذا هو الوطن يا سادة ، هذا هو الوطن الذي أعرفه واشتاقه وأحن إليه.
****


الخميس، 5 ديسمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية الجزء (10) والأخير


# حوليات
(158)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (10) والأخير

عندما أشرقت شمس اليوم الثامن والأخير من الحرب ، اختفت الطائرات الحربية من سمائنا ، ولم نعد نسمع أصوات قذائف الدبابات ، كان الهدوء يعم القطاع باستثناء أصوات قصف تأتي من بعيد متفرقة ، بالإضافة إلى أصوات المساجد التي استمرت منذ الليلة الماضية في التكبير والتهليل ابتهاجًا بالنصر وانتهاء الحرب.

حملت طفلي أحمد وتوجهت إلى مركز المدينة بحثًا عن عيادة حكومية لأنه كان بحاجة إلى التطعيم ، لكني لم أجد أي منها قد فتحت أبوابها والسبب أن اليوم إجازة رسمية بمناسبة الانتصار في الحرب.

عرجت على منزل عائلة زوجي الذين أنهكتهم الليلة الماضية فوجدتهم نائمين ، أيقظت زوجي وتحدثت معه وقررنا العودة إلى بيتنا في غزة.

جهزنا أغراضنا وحملنا أطفالنا وعدنا سالمين غانمين إلى غزة ، غزة الصغيرة المحاصرة منذ عدة سنوات استطاعت في ثمانية أيام أن تجعل إسرائيل " بجلال قدرها " تقف على قدم واحدة تستجدي التدخل السريع من الدول الأوروبية والعربية لإيقاف الحرب المستعرة ضدها!

كان هذا الشيء في حد ذاته انتصار كبير للمقاومة التي لم تخسر الكثير من رجالها وعتادها في هذه الحرب.

كانت ثمانية أيام ، تغيرت نظرتنا لأنفسنا وعادت الثقة تملؤنا والإحساس بالنصر يغمر قلوبنا فلقد استطعنا أن نهزم الجيش الذي لا يهزم.

بعد فرحة النصر ، جاء الوقت لترميم الجراح ولم الشمل وفتح بيوت العزاء وإحصاء الخسائر البشرية والمادية ، جاء الوقت لإعادة البناء من جديد والإعداد الجيد والمناسب للتصدي القادم لأي حرب محتملة جديدة ، فإسرائيل رغم خسارتها للحرب فإن غباءها لن يردعها عن شن أخرى قريبًا!

أطلق البعض على تلك الحرب اسم " حجارة السجيل " والبعض الأخر أسماها " السماء الزرقاء " لكن أقربها لقلبي هو اسم " حرب الأيام الثمانية " لعلها تخفف عنا – ولو قليلًا –  الذكرى الأليمة لـ " حرب الأيام الستة ".

انتهى

******


الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية الجزء (9)


# حوليات
(157)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (9)

في صباح اليوم السابع من الحرب ، وبعد أن اشتد القصف على المنطقة التي يسكن بها أهل زوجي ، رأى زوجي أنه يجب علينا مغادرة المكان حرصًا على سلامتي وسلامة الأطفال ، فكان قراره بأن أتوجه إلى منزل عائلتي بينما هو فضل البقاء مع عائلته حتى يطمئن عليهم ، كان موقفًا صعبًا بالنسبة لي ، كنت لا أحبذ أن نفترق عن بعضنا البعض وخاصة في تلك الظروف الصعبة ، لكنه كان يرى بأن هذا هو الحل الأفضل.

لم يكن الحال أفضل في منزل عائلتي ، فقد استهدف القصف مدرسة الفضيلة الخاصة وبعض مناطق التدريب التابعة للمقاومة والتي تقع بالقرب من المنزل.

الشيء الوحيد الذي كان يختلف هو أن القصف لم يأتي من الطائرات بل من الدبابات الإسرائيلية المتمركزة على طول الشريط الحدودي الفاصل بين مدينة رفح وأراضي الـ 48 المحتلة.

كانت ليلتنا صعبة رغم أن هناك أنباء عن قرب انتهاء الحرب وأن الساعات القليلة القادمة هي التي تفصلنا عن وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة بين الطرفين ، لكن إسرائيل كانت تستغل تلك الساعات المتبقية لتزيد من حدة القصف والتدمير ، فلم تخفت أصوات القصف طوال الليل ، وأكاد أجزم بأنها من أصعب الليالي التي قضيتها في رفح أثناء الحرب.

وفي ساعات الفجر الأولى ، كانت أصوات المفرقعات تملأ الأجواء ، كانت ابتهاجًا بانتهاء الحرب ، كان لدى الغزيين إحساس المنتصر في هذه الحرب ، لقد شعرنا جميعًا بأننا انتصرنا ولم نخسر الحرب رغم خسائرنا المادية وسقوط الشهداء.

في الحرب الأولى على غزة عام 2008 ، شعرنا بفداحة الخسارة وكانت حرب مدمرة ، خرجنا منها خاسرين ، لكن في هذه الحرب انتصرت غزة المحاصرة على آلة التدمير الإسرائيلية ، لقد كانت صواريخ المقاومة تسقط على الكيان الصهيوني مثل الجراد ، تدمر وتقتل وتقض مضجع الإسرائيليين ، وكانت إسرائيل تتخبط في حربها ، فلا تعرف من أين تخرج تلك الصواريخ المصنعة محليًا والتي تقصف الأراضي الخاضعة لها ، ولا القبة الحديدية التي أنفقت على بنائها الملايين كانت تردع صواريخنا البدائية التي تسقط على رؤوسهم تدمر وتقتل ، كان رجال المقاومة مثل الأشباح تطلق الصواريخ على الكيان الصهيوني ثم تتلاشى وتختفي في الظلام مما أربك قوات الجيش الإسرائيلي التي لم تتمكن من العثور عليهم أو حتى كشف مخابئهم ، لدرجة أن إسرائيل كانت تقصف المناطق الخالية باستمرار ظنًا منها بأنها أوكار لمطلقي الصواريخ ومحاولة منها لمداراة فشلها في تحديد تلك المناطق التي تخرج منها الصواريخ.

لقد كانت المقاومة في هذه الحرب أكثر تنظيمًا وترتيبًا إذا قورنت بالحرب الماضية.

يتبع ..

*****


الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية الجزء (8)


# حوليات
(156)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (8)

لا اذكر في أي يوم بالضبط من أيام الحرب الثمانية سمعت في الأخبار عن استشهاد سيف الدين محمود صادق أو عوض حمدي النحال.

الأول عرفته طفلًا مهذبًا خلوقًا ، كانت ابتسامته لا تفارق محياه وكان خجولًا ، كلما تحدثت معه لا يرفع بصره لينظر لمحدثته ، لقد كان آية في الأدب والأخلاق ، كنتُ اعرف والده ووالدته وأعمامه فقد كانت تربطنا بهم علاقة مصاهرة.

كان شبلًا وطنيًا بامتياز شارك في انتفاضة الأقصى ورشق جنود الاحتلال بالحجارة ، وكانت له صورة اشتهرت على صفحات الجرائد وهو يتحدى أحد الجنود الصهاينة الذي حاول أن يقنص عليه ليقتله.

انقطعت عني أخباره حتى رأيت اسمه يزين نشرات الأخبار ويسبق ذلك الاسم لقب القائد الميداني في سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ، وقد تم اغتياله بقصف السيارة التي كان يستقلها أثناء عودته من مدينة رفح إلى مدينته خان يونس بعد أن شارك مع رفاقه في التصدي للقصف الصهيوني المستمر على مدينة رفح.

أما الثاني فقد عرفته طفلًا لأحد الأقارب أيضًا وزميلًا على مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية والإعدادية ، اذكر أنه كان دائم الحركة والابتسام ، وكان خفيف الدم ، يضحكنا بحركاته الغريبة ، وهو الأخر انقطعت عني أخباره بعد انتهاء الدراسة ، لأفاجئ به أيضًا من خلال شاشة التلفاز ، لم يكن من رجال المقاومة ، بل كان إنسانًا عاديًا يجلس أمام بيته في أحد ليالي الحرب الطويلة ، وفجأة سقط صاروخ خلف البيت على مجموعة من الشباب ، فسارع إليهم حتى يشارك في إنقاذهم، لكن الصاروخ الثاني كان أسرع ولم يمهله الوقت لفعل ذلك ، فأصبح هو من يبحث عن منقذ!

تأثرت لاستشهاد الاثنين ، شعرت بغصة وحرقة شديدتين ، لكني كنت أؤمن بأن هذا الوقت ليس وقت الحزن والبكاء ، كنا ننتظر حتى تنتهي هذه الحرب اللعينة لنحصي خسائرنا ومكاسبنا ، ونسترجع أنفسنا ونلتقط أنفاسنا ، ثم لنا الوقت كله لكي نقف على شواهد قبورنا ونبكي قتلانا.

يتبع ..

******
الشهيد عوض حمدي النحال
الشهيد البطل سيف الدين محمود صادق

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية الجزء (7)


# حوليات
(155)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (7)

في اليوم الثاني تقريبًا لوصولنا إلى رفح ، استطعنا الذهاب أنا وزوجي وأخوه وزوجته إلى مركز المدينة ، وقمنا بشراء ما يلزم البيت من خضراوات وبقوليات ، وفي ثالث يوم ذهبنا إلى بيت عزاء والدة أحد الأصدقاء في مدينة خان يونس ، كان الوضع خطرًا ، لكننا كنا نشعر بأنه أفضل بكثير من الوضع في مدينة غزة ، في ظهر ذلك اليوم تركت راما في البيت وأخذت أحمد معي ، وخرجنا للذهاب إلى بيت العزاء ، كانت مغامرة غير محسوبة ، حتى السائق الذي حملنا إلى خان يونس كان يشك في سلامة قوانا العقلية ، كان يتساءل بينه وبين نفسه " هل هذا وقت مناسب للذهاب لأحد بيوت العزاء ؟!" ، وكنا نتساءل بيننا وبين أنفسنا "وهل يا ترى هذا وقت مناسب للخروج للعمل على السيارة ؟!".

في منتصف الطريق أشار إلى سيارة محترقة على جانب الرصيف ، قال بأنها استُهدفت صباح اليوم وهي سيارة تابعة لمكتب تأجير السيارات ، يُقال بأنها كانت تقل بعض رجال المقاومة وأخبرنا أن الطائرات تتنصت على هواتف تلك المكاتب وتقوم بقصف السيارات التابعة لها والتي تشك بأنها تقل مطلقي الصواريخ المحلية ، كما رأينا بعض البيوت التي تم قصفها في الليلة الماضية.

كان حب المغامرة ومحاولة السيطرة على الخوف الذي يكتنف الصدور هو ما يدفعنا لمواجهة كل هذه الأهوال والمصائب ، كنا نعمل على قهر ذلك الخوف الإنساني الطبيعي كنوع من المقاومة وربما كنوع من مجابهة النفس الضعيفة ، لا أدري ، المهم أنه كان نوعًا من المقاومة وعدم الاستسلام.

أثناء عودتنا من خان يونس كان القصف قد اشتد ، وأصوات الصواريخ تخترق الأذان ، كنا نضع أيدينا على أذاننا حتى نخفف من وقعها ، والغريب أن حركة السيارات والمارة كانت مستمرة بدون توقف ، بعكس مدينة غزة والتي أصابها الشلل ، وكأن الناس هنا ألفوا الحرب والقصف وكأنه جزء يومي من حياتهم ، ليس بالشيء الجديد أو حتى الخطير الذي قد يوقف حياتهم!

كنت أتمنى طوال أيام الحرب إلا يأتيني خبر استشهاد أحد المعارف أو الأقارب ، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن.

يتبع ..

*****


السبت، 30 نوفمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية الجزء (6)


# حوليات
(153)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (6)

استقبلتنا العائلة بالترحاب وهنأتنا بسلامة الوصول ، اجتمع الأهل والأقارب في بيت العائلة وأخذوا يسألوننا عن الوضع في غزة ، تحدثنا كثيرًا وشربنا أقداح الشاي الكبيرة وفناجين القهوة الكثيرة.

كانت الحرب في رفح مختلفة عن غزة ، رغم القصف المتواصل إلا أن الشوارع تغص بحركة المواطنين والمركبات ، كما أن المحلات التجارية والأسواق مازالت مفتوحة.

كان الشعور بكوننا هنا ، بين الأهل والأقارب ، يمنحنا الإحساس بالأمان والشعور بالاستئناس ، كنا نمضي الوقت أحيانًا بالثرثرة وتبادل الأحاديث الشيقة والتندر على بعض الأخبار المضحكة الواردة لنا عن الإسرائيليين الذين لم يجدوا غير مواسير المجاري والصرف الصحي للاختباء من صواريخ المقاومة ، وفي أحيانٍ أخرى كنا نمضي الوقت بالبكاء على صور الأطفال التي نشاهدها عبر شاشة التلفاز والذين قضوا نتيجة القصف العشوائي على بيوتهم ، لكن وجودنا مع بعضنا البعض كان يخفف عنا كثيرًا ويهون علينا أمر الحرب.

بيت عائلة زوجي ، القريب من الحدود مع مصر وبالتالي القريب من مناطق الأنفاق ، كان يشكل خطرًا جسيمًا علينا ، فالحدود قريبة جدًا جدًا ، والبيت معرض ، مثل عشرات البيوت في تلك المنطقة ، للقصف ، كان كل صاروخ يسقط على الأنفاق ، نشعر به وكأنه يسقط فوق رؤوسنا ، لدرجة أن دهان الجدران والسقف كان يتساقط على وجوهنا ووجوه الصغار مع كل صاروخ يسقط في المنطقة ، كنا نرى الصواريخ وهي تسقط من السماء في تتابع وبدون توقف ، وكم من صاروخ سقط في منطقة خالية ولم ينفجر ، وكم من صاروخ سقط في غير مكانه مخطئًا هدفه في باحة أحد البيوت الآمنة.

لم نكن نجزع أو نخاف ذلك الخوف الكبير ، خوفنا لم يتعدى خوف إنسان عادي في غابة يخشى من لسعة نحلة قد تقرصه فجأة ودون سابق إنذار!

كنا نشعر بالضيق والضجر ونرى أن تلك الحرب ما هي إلا صداع وسوف يزول قريبًا ، وكأن تلك الطائرات الحربية المحلقة ليلًا نهارًا في سمائنا ما هي إلا أزيز نحل مستثار ، وما تلك الصواريخ التي تهطل علينا سوى مطرٌ جاف يصاحبه الكثير من الرعد والبرق لا أكثر ولا أقل!

لم نكن نخاف الموت ، فهو هنا ، جزء من دورة الحياة نفسها وليس نهاية لها ، الموت يستوطن الديار وهو ليس بالغريب الذي نخافه ، أنه يأكل من أكلنا ويشرب من شربنا ، ويسكن بين ظهرانينا.

يتبع ..


*******

الخميس، 21 نوفمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية (الجزء 5)


# حوليات
(144)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (5)

اتصل زوجي بمكتب التاكسيات ، يستفسر منهم عن إمكانية استئجار سيارة توصلنا إلى رفح ، كان التردد واضحًا في صوت الموظف هناك لكنه وافق بعد أن تأكد أننا من زبائنه الدائمين.

جاءت السيارة وكنا قد جهزنا أغراضنا وحملنا بعض الأشياء المهمة مثل بطاقات الهوية وبعض الأوراق المهمة بجانب بعض الثياب ومستلزمات الصغار ، وتركنا خلفنا نوافذ الشقة مفتوحة.

وقبل أن اخرج من البيت لمحت كيسًا به بعض الشظايا التي نسي زوجي إخراجها ، حاولت إغلاق الكيس فَجُرِحَ إصبعي ، سالت الدماء بغزارة ، وقد انزعج زوجي كثيرًا وخاصة أنه حاول على قدر استطاعته أن يجنبني لمس الزجاج المتكسر خوفًا من إصابتي بضرر ، لكن قدر الله وما شاء فعل.

ربطت إصبعي ونزلنا من الشقة ، ومازالت أصوات القصف تعلو فوق رؤوسنا ، ركبنا السيارة ونظرت من نافذتها ، ولاحظت خلو الشارع من المارة ، شعرت لوهلة بالخوف ، احتضنت أطفالي ، وانصرف زوجي إلى الحديث مع السائق.

أخبرنا السائق بأن غالبية سكان حي تل الهوى قد غادروا منذ ساعات الفجر ، وأنه قد أوصل بسيارته حوالي ثلاثين عائلة ، نقلهم خارج الحي ، فالجميع هنا كانوا خائفين من تكرار مأساة الحرب الماضية ، فهذا الحي وإن كان هادئًا إلا أنه مستهدفًا من قوات الاحتلال ، ولا اعرف سببًا واضحًا لذلك.

وقال لنا أيضًا بأن الطلبات انهالت على المكتب منذ صباح الأمس ، وكل سيارة من سيارات المكتب قد نقلت العديد من الأسر خارج الحي ، لقد أصبح حي تل الهوى خاليًا من قاطنيه ولا تسكنه إلا الأشباح!

عندما اقتربنا من مفترق (دوله) ، أشار السائق إلى حفرة عميقة في منتصف الطريق ، تجاوزنها وقال لنا بأن صاروخًا قد سقط هنا بالأمس ، وأشار إلى منزل قريب وقال هذا هو منزلنا ،ولقد شاهدنا الصاروخ وهو يسقط.

عندما وصلنا للمفترق ، سمعنا صوت ارتطام قوي ، اهتزت له السيارة وكاد السائق أن يفقد السيطرة على سيارته وما هي إلا دقائق حتى جاءته مكالمة من زوجته تخبره فيها أن صاروخًا قد سقط في نفس المكان الذي سقط فيه صاروخ الأمس ، ارتبك السائق وابتسم محاولًا إخفاء توتره ، وقال لزوجته ، لقد مررنا من هناك قبل دقيقة أو أقل ، حاول أن يطمئنها ويهدأ من روعها ، وطلب منها أن لا تدع الأولاد يخرجون من البيت حتى موعد عودته.

يا إلهي ، قصفوا نفس المكان الذي عبرنا منه قبل دقيقة ، لو تأخر السائق قليلًا ، لكنا الآن في عداد الأموات.

ابتلعت ريقي بصعوبة ، وقلت بيني وبين نفسي يا ليتنا لم نغادر البيت وبقينا هناك ، لماذا نعرض أطفالنا للخطر ، لكن سواء أبقينا أم غادرنا ، فالخطر هو الخطر ، سلمتُ أمري لله وقلت لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

على طول طريق صلاح الدين لم نرى أي سيارة ، كان الشارع الذي لا يخلو من السيارات ليلاً ولا نهارًا مقفرًا خاليًا على عروشه.

كانت سيارتنا تنهب الأرض نهبًا ، وعندما اقتربنا من دير البلح على الشارع الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه بدأ القصف يشتد ، كانت الصواريخ تهطل من السماء على جانبي الطريق بصورة رتيبة ومتواصلة ، صاروخ ينزل على هذا الجانب يتبعه صاروخًا يسقط على الجانب الأخر ونحن في المنتصف ، شعرت بأني أعيش داخل فيلم رعب أو فيلم أكشن لجيمس بوند !

الصواريخ تتساقط كحبات المطر بلا توقف ، وأعمدة الدخان تحاصرنا في المنتصف ، كل صاروخ ينزل اشعر بأنه يستهدف سيارتنا ، أغمض عيني وأتمتم ببعض الآيات ، وأضم أطفالي إلى صدري أكثر فأكثر ، لم أكن خائفة على نفسي ولم أكن خائفة على زوجي ، كان كل همي وخوفي ينصب على هذين الطفلين ، ما ذنبهما في كل ما يحدث ؟! لم يقترفا ذنب أو خطيئة حتى يتعرضا لكل هذا.

استمر القصف طوال الطريق ، لم يتوقف حتى وصلنا لمدينة رفح ، تلك المدينة التي لم أكن أتوقع – بعد ما شاهدته على الطريق –  أننا سوف نصل إليها سالمين.

كانت أطول 40 دقيقة في حياتي ، هي المدة التي استغرقتها رحلتنا في الوصول من غزة إلى رفح.

حمدت الله كثيرًا عندما وصلنا لبيت عائلة زوجي ، لم اصدق نفسي بأن فيلم الرعب الذي عايشنه قد انتهى على خير.

وقف زوجي مع السائق قليلًا وشكره على قبوله توصيلنا في هذا الظرف الصعب وتمنى له السلامة.

يتبع ..

*****



الثلاثاء، 19 نوفمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية (الجزء 4)


# حوليات
(142)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (4)

وضع زوجي قطعًة من البلاستيك على النافذة بعد أن قام بجمع شظايا الزجاج وتنظيف السجادة ، ثم وضعنا بعض الفرشات الأسفنجية في منتصف الصالة بعيدًا عن النافذة وقررنا قضاء ليلتنا هنا مع أطفالنا لأن الصالة كانت في منتصف الشقة وبعيدة عن الشارع ، منعًا لحدوث قصف أخر ربما يستهدف منزلًا أكثر قُربًا. كانت غرف نومنا تطل على الشارع وكانت أكثر عرضة للخطر من داخل الشقة ، لذلك ارتأينا أن نبقى في الصالة.

كانت ليلة طويلة جدًا علينا ، لم يتوقف الهاتف عن الرنين ، الكل يطلب منا الذهاب إلى مدينة رفح فهم يعتقدون أنها أكثر أمنًا من غزة ، أو على الأقل وجودنا بجانب الأهل والأقارب قد يخفف عنهم ويجنبهم التفكير الزائد بنا وبوضعنا بعيدًا عنهم في ظل هذه الحرب المستعرة.

كان الوضع مأساويًا ، لم يتوقف القصف مطلقًا بمعدل صاروخ كل دقيقة ، وعلى ما يبدو أنهم قصفوا محطة توليد الكهرباء ، فلقد انقطع التيار الكهربائي ، وبقينا على ضوء شمعة طوال الليل ، نحسب عدد الصواريخ التي تسقط والمدة بين سقوط كل صاروخ والذي يليه ، كان نوعًا من التسلية حتى يمضي الوقت لكن سرعان ما شعرنا بالملل وعدم قدرتنا على متابعة العد بانتظام ، وبقينا على هذا الحال حتى الصباح حيث عاد التيار من جديد.

خرج زوجي لاستكشاف المكان والاستطلاع عن الوضع ، كان أكثر ما يخيف الناس في الشارع هو تكرار ما حدث في حرب غزة الأولى عندما اجتاحت قوات الاحتلال الحي وعاثت فيه تدميرًا وقتلًا ، كانت ذكرى الحرب الأولى هي المسيطرة ، فالجميع كان خائفًا من الاجتياح البري للجيش الإسرائيلي ، وكان الشغل الشاغل للجميع هو التفكير في البقاء في الحي أم مغادرته.

لم تكن تلك الأيام أيامًا جيدة بالنسبة لأهالي الحي الذين يحملون ذكريات صعبة وأليمة عن الحرب الأولى.

عاد زوجي من الخارج وقد وجدني نائمة بعد ليلة صعبة لم نذق فيها طعم النوم من شدة القصف والخوف ، كنت أنام وأنا مرتدية ثوب الصلاة كاملًا ، استعدادًا لأي طارئ ، فلو سقط صاروخ على بيتنا أو بالقرب منه فلن أتمكن من ارتداء شيء ، وقد كان يرعبني منظر النسوة التي وقعت تلك الصواريخ على منازلهن حيث رأيتهن يغادرن تلك المنازل أمام عدسات الكاميرات وهن بحالٍ يرثى لها.

أخبرني زوجي برغبته في الذهاب إلى رفح فالموت مع الجماعة رحمة ، لكني رفضت وفضلت البقاء في بيتي ، إذا قُدر لي الموت ، فلا أريد أن أموت بعيدًا عن بيتي!

توالت المكالمات طوال اليوم ، الجميع يريدنا أن نذهب إلى رفح ، فحي تل الهوى غير آمن ، كانت المكالمات في البداية عبارة عن نصائح ثم تحولت مع مرور الوقت وانتصاف النهار إلى توسلات من أجل الصغار.

لم اقتنع حتى تلك اللحظة بضرورة المغادرة حتى جاء الليل ، وعاد القصف يشتد أكثر فأكثر ، أصبحت الأصوات أقوى وأقوى ، قام زوجي هذه المرة بإنزال كل شبابيك البيت ، خوفًا من تحطمها.

تعالت الأصوات وأصبحت قريبة جدًا جدًا ، كان كل صاروخ يهبط وكأنه يهبط فوق رؤوسنا ، كان الأمر لا يحتمل.

ورغم ذلك ، وهذا من رحمة الله بنا ، كان أحمد وراما يغطون في نومٍ عميق ، وكأنهم لا يسمعون أي صوت!

صواريخ لا تهدأ من الطرفين ، صواريخ محلية الصنع تخرج بصوت ضعيف يكاد يسمع ، بينما يسقط بعدها بقليل صاروخ إف 16 أو صاروخ اباتشي يزلزل الأرض من تحت أقدامنا.

كان الاستهداف في هذه الليلة لمبنى تابع لوزارة الداخلية ومساحة خالية خلف مبنى الهلال الأحمر وكلاهما يقع في المربع الذي نسكن به ، كان الغبار يملأ المكان والخوف أيضًا!

قضينا ليلتنا في الاستماع إلى الراديو ، بعد انقطاع التيار الكهربائي في الليلة الثانية للحرب وكان من الطريف في ساعات الصباح الأولى أن مذيع أحد المحطات الفلسطينية المحلية ، لا اذكر هل كانت إذاعة القدس أم الوطن ، كان هذا المذيع يرى من المكان الذي يبث منه الصواريخ وهي تسقط على حي تل الهوى ، فكان يصرخ عبر الأثير ، الآن يسقط صاروخ على تل الهوى ، وما هي إلا ثوانٍ كنا نسمع صوت ارتطامه بالهدف ، كان ذلك التنبيه من المذيع يخفف عنا قليلاً ، أن تدرك أن الصاروخ قادم وسوف يسقط ، فأنت تستعد له نفسيًا وتتهيأ لسقوطه وهو بالتأكيد أفضل من أن تُفاجئ به.

لم نصدق أن الشمس قد أشرقت ومازلنا على قيد الحياة بعد هذه الليلة الطويلة والتي كانت أصعب من سابقتها.

وهنا .. وافقت على مغادرة هذا الجحيم المستعر في حينا الهادئ ، كان السبب الرئيسي في تغيير رأيي هو الشعور بالخطر الذي يقترب وبسرعة ، فالمسألة لم تقتصر على مجرد قصف لمواقع محددة بل هي حرب شاملة تكشر عن أنيابها في وجه الجميع ، كنتُ خائفة على الأولاد وعلى زوجي من القصف العشوائي ومن الاجتياح البري المحتمل للحي ، بالإضافة إلى شعوري بالغربة والوحدة والاكتئاب ، كنت بحاجة لـ الوَنَس ، بحاجة إلى العائلة ، للأحاديث التي تجنبني التفكير في الحرب المستعرة ، كما كانت عبارة " الموت مع الجماعة رحمة " ترن في أذني باستمرار وبرتابة وملل أيضًا.

لكن كيف سوف نغادر الحي ولم يتم الإعلان عن هدنة ، هل المغادرة آمنة وهل سوف نتمكن من الوصول إلى رفح وكيف السبيل إلى ذلك؟!

يتبع ..

****



الاثنين، 18 نوفمبر 2013

شهادتي على حرب غزة الثانية (الجزء 3)


# حوليات
(141)
شهادتي على حرب غزة الثانية
في الذكرى الأولى للحرب
الجزء (3)

كان صوتُ القصفِ عاليًا جدًا ، اهتزت له جدران شقتنا الصغيرة ، ورغم تلك الأصوات المزعجة والمخيفة إلا أنها لم تمنع طفلتي الصغيرة راما من الاستغراق في النوم في الصالة أثناء مشاهدتها للأخبار معنا على التلفاز.

حملتها من مكانها القريب من النافذة ووضعتها في مكانٍ أخر بعيدًا عنها ، وكأن قلب الأم أنبئني بالكارثة التي سوف تحل علينا بعد قليل.

وما هي إلا ثوانٍ ، حتى اهتزت الجدران وشعرنا بأنها سوف تطبق علينا ، وضعت يدي بحركة عفوية على أذني وأغمضت عيني.

سقط زجاج نافذة الصالة رغم أنها كانت مفتوحة على مصراعيها ، سقط حيث كنا نجلس وحيث كانت تنام ابنتي قبل دقائق معدودة ، هرع زوجي إلى حجرة راما ظنًا منه أنها تنام هناك ، خاف أن يكون قد سقط عليها زجاج نافذة حجرتها ، أخذ يصرخ أين راما ؟! فأخبرته أنها هنا في الصالة معنا ، كانت مجرد لحظة تغيرت فيها أمور كثيرة ، ارتبكنا ، لم نستوعب ما حدث ، كل الأمر لم يتجاوز الثانية الواحدة ، كان الصوت عاليًا ، سقطت النافذة ، أحمد " عمره شهران " احمله بين يدي ، وراما تقوم مفزوعة من النوم وتختبئ في حضني ، وزوجي هناك يبحث عن طفلته.

وجود الستائر الثقيلة على النافذة الممتدة على طول الجدار كانت السبب الرئيسي لعدم إصابتنا بشظايا الزجاج الذي تناثر على الأرض وعلى السجادة.

طلب مني زوجي الابتعاد عن الشظايا وحمل الطفلين ، جلست على الأرض وبدأت الاتصالات تردنا على الهاتف والجوال ، الأقارب والأصدقاء يتصلون للاطمئنان علينا بعد أن سمعوا خبر قصف منزل في حي تل الهوى ، بدأت بالبكاء خوفًا على أولادي وخوفًا مما سوف يحدث وأنا لا اعلم عنه شيئًا.

بدأ زوجي في رفع الشظايا وكنا نسمع في الأخبار أن المنزل المستهدف هو منزل القيادي في حركة فتح " رشيد أبو شباك " وهو يبعد عن بيتنا مسافة شارع واحد ، لكن من شدة القصف تأثر بيتنا وبعض البيوت الأخرى القريبة.

ومن الجدير بالذكر أن المنازل التي تقع في الشارع الذي فيه منزل رشيد أبو شباك قد تضررت غالبيتها ودُمِرَ بعضها تدميرًا كاملًا والأخر تدمير جزئي ، كانت المشاهد التي تبثها القنوات الفلسطينية مباشرة من أرض الحدث مخيفة ومرعبة ، كان جيران المنزل المستهدف والذين سقطت منازلهم فوق رؤوسهم يخرجون منها بمساعدة رجال الإسعاف والدفاع المدني وقد علت وجوههم الأتربة الممتزجة بدمائهم.

لم يستشهد أحد في تلك الهجمة القوية وقد كانت تلك معجزة إلهية ، ثم سمعنا فيما بعد أن المنزل كان خاليًا من سكانه بعد أن غادر أبو شباك وعائلته إلى الضفة الغربية بعد الانقلاب " الحسم العسكري" عام 2007م ، وسمعنا إشاعات أنه كان مستهدفًا – أي المنزل – لأنه كان مخزنًا لسلاح المقاومة !

من الأشياء المضحكة المبكية أنني قبل بدء الحرب بيومين ، كنت امشي أنا وزوجي في ذلك الشارع فقد اعتدنا أن نتمشى فيه بالليل ، لأنه من الشوارع الهادئة والجميلة والتي تصطف الأشجار على جانبيه وبيوته أنيقة ونظيفة ، كنت أخبر زوجي بأني أتمنى أن أسكن في أحد هذه البيوت ، هذا الشارع أصبح في ليلة وضحاها شارعًا مهجورًا تسكنه الأشباح وبيوته أصبحت أثرًا بعد عين!

يتبع..


****