‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 13 مارس 2014

أين هو ؟!


# حوليات
(256)
أين هو ؟!
الآن ..

يهطل المطر بغزارة ، أتابعه من وراء نافذة غرفتي وقد التحفت ببطانيتي ، أسرح بجماله الأخاذ ، واشرد بتفكيري بعيدًا عن الحياة وهمومها والأخبار الصباحية الكئيبة التي تتحدث عن التصعيدات الإسرائيلية واحتمالية اقتراب شن حرب جديدة على غزة.

اشرد بعيدًا وأتابع قطرات المطر ، تارةً وهي تسقط على الإسفلت وتارةً أخرى وهي ترتطم بحواف النافذة محدثة صوتًا موسيقيًا ناعمًا ، أشاهدها وهي تغسل النفوس المتعبة والأرواح المرهقة ، تنظف الشوارع المُتربة والنوافذ المُغبرة وتعيد لوجوه الأشياء ألوانها الأصلية.

استمتعت بذلك الشرود الذي لم يدم طويلاً ، فقد لمحت بعض الثياب المنشورة على حبل غسيل جارنا العجوز ، وتساءلت في نفسي أين هو ؟! ولماذا ترك ثيابه على الحبل في هذا الجو الماطر ، ألا يخاف أن تتبلل الملابس؟

انتظرت ومازلت انتظر أن يخرج إلى شرفته ويجمع ثيابه لكنه لم يفعل حتى لحظة كتابة هذه الكلمات ، يا ترى أين هو ؟ شغلني هذا السؤال وأنساني المطر وقطراته ، وبدأت أضع بعض الاحتمالات والكثير من التصورات والسيناريوهات.

السيناريو الأول:

ربما كان متعبًا منذ ليلة الأمس بعد أن قضى الساعات الطوال أمام شاشات التلفاز يتابع نشرات الأخبار ، فلم يغادر سريره حتى الآن.

السيناريو الثاني:

ربما انقطاع التيار الكهربائي طوال الليل وحتى الساعات الأولى من الصباح أرَّقه وزاد من توتره وحرمه من النوم ، فحاول أن يعوض تلك الساعات بالنوم في هذا الصباح ونسي أمر المطر والثياب.

السيناريو الثالث:

ربما غادر مسرعًا هذا الصباح وتوجه إلى ويسترن يونيون – فرع غزة لإيداع مبلغ من المال لابنه الطالب المغترب في روسيا والذي لم يعد حتى الآن رغم انقضاء أكثر من عشر سنوات على سفره.

السيناريو الرابع:

ربما أيقظته ابنته المتزوجة من نومه بعد أن عصفت المشاكل بينها وبين زوجها وطالبته بالتدخل السريع لحل الأزمة فيما بينهما.

السيناريو الخامس:

ربما خرج هائمًا على وجهه ، بعد ليلة حرمان طويلة ، يبحث عن شريكة جديدة لحياته بعد رحيل الشريكة الأولى قبل عشرين عامًا ، لتشاركه في فطوره الصباحي وقهوته ، تعد له الطعام الشهي بعد أن فقد قدرته على إتقانه ، تغسل له ثيابه وتكويها ولا تنساها على حبل الغسيل أثناء هطول المطر.

السيناريو السادس:

هو السيناريو المفزع الذي لا أرغب في تصوره أو حتى التفكير فيه ، وهو إصابته بنوبة قلبية مفاجئة أثناء إعداده لقهوة الصباح ، أراه وحيدًا بالمنزل ، وأراها قهوة منسكبة على أرضية المطبخ وبجوارها جسد مسجى غادرته الروح للتو.

توقفت عن كتابة السيناريوهات المحتملة ، اقتربت من النافذة أكثر والتصقت بها ، نظرت إلى باب الشرفة المغلق وإلى نباتات الزينة التي رصَّها ، قبل يومين ، على حوافي شرفته وسألتهم بقلق يشوبه الخوف: أين هو ؟!

لم احصل على إجابة ، ومازلت انتظر حصولي عليها منذ أكثر من ثلاث ساعات.

******




الأحد، 9 مارس 2014

فريسة


# حوليات
(252)
فريسة

سارت ببطء شديد وتكاسل .. اليوم هو أول يوم لها في الجامعة بعد انتهاء إجازة العيد .. سوف تحمل كتبها من جديد وتتوجه إلى المدرجات لتكمل فصلها الدراسي الطويل والممل .. قابلت في طريقها صديقتها أمل والتي قابلتها بابتسامة عريضة وساخرة ..

(كالعادة .. كسل وتثاؤب في صباح كل يوم .. ألم تشبعي من النوم ؟)

قبلتها على وجنتيها واستدركت قائلة :
(ما بالك ؟ لما هذه التكشيرة وكل هذا التجهم ؟)

(لستُ على ما يرام .. دعينا نذهب لاحتساء النسكافيه قبل بدء المحاضرة الأولى) .

اعتادت مُنى أن ترافق صديقتها أمل صباح كل يوم لشرب النسكافيه في كافتيريا الجامعة .. تجلسان لبضع دقائق .. تتحدثان عن أحداث الأمس ورواية كانت قد استلفتها منها .. وبعض الأحاديث الجانبية العابرة .. موال كل يوم !

كان صباح اليوم مختلفاً .. لأن منى تشعر بالاكتئاب والملل من الجامعة وكانت تتمنى أن تطول إجازة العيد وتمتد إلى شهرين على الأقل.

لم ترغب بالعودة إلى الجامعة ولكن يتوجب عليها ذلك فهذه هي سنتها الأخيرة وهي على وشك الانتهاء منها .. مشكلة منى أنها لا تحب الجامعة ولا الدراسة ورغم ذلك لا تريد أن تنهي دراستها وتجلس في البيت .. فهذا هو السيناريو المتوقع لكل خريج جامعة طالما ليس له واسطة يستطيع من خلالها أن يشغل وظيفة حكومية أو حتى خاصة .

تنظر منى حولها وترى مئات الطلبة يتجولون بحرم الجامعة .. بعضهم يتحدث والآخر يضحك .. ومنهم من هو متجهم مثلها .. ومنهم من لا يهتم إلا بمعاكسة الطالبات وإلقاء النكات .. ومنهم من يسرع للحاق بمحاضرته .. وآخر يعلق ملصق كبير على أحد الجدران يبدو أنه لأحد الشهداء ..

( لا شيء جديد ) , قالتها منى وأتبعتها بتنهيدة طويلة ونظرات تائهة حزينة .

(وما هو الجديد الذي ترغبين به ؟) , تساءلت أمل .

(شيء يخرجني من حالة الاكتئاب التي أنا بها ..)

(امم .. شيء جديد .. ما رأيك لو نشرب اليوم كابتشينو بدلاً من النسكافيه ؟؟)

(هل هذا هو جديدك ؟؟ شكراً على المساعدة) , قالتها منى بنوع من الاستهزاء.

تحاول منى استرجاع بداية اكتئابها ولكنها لا تعلم .. كل ما يحيط بها يدعوها للاكتئاب ..الحواجز الإسرائيلية ومضايقة جنود الاحتلال لهم .. القصف المستمر والاغتيالات .. الاجتياحات والتوغلات الليلية .. وأصوات المدافع والزنانات .. وأخيراً استشهاد جارهم الدكتور الجامعي هو وزوجته وأطفاله الخمسة بعد محاولة فاشلة لطائرات اف 16 في اغتيال قائد المقاومة الشهير والذي قيل أنه كان مختبئاً في منزل ذلك الدكتور .. وكيف شعرت ليلتها بأن زلزالاً شديداً قد هزها من الداخل حتى كاد البيت يقع على رؤوسهم من شدة القصف , وكيف أن نوافذ البيت الزجاجية قد تكسرت جميعها .

كل ما يحيط بها قد حاك مؤامرة هذه المرة من جميع الاتجاهات لتسقط فريسة سهلة للاكتئاب .

رغم أن صديقتها أمل وغيرها كثيرون يعيشون حياتهم بشكل عادي ويتعاملون مع الواقع بشكل صحي وطبيعي ، ولكنها لا تستطيع ذلك .. لا تستطيع أن تتكيف مع واقع فُرض عليها منذ أن أبصرت النور في هذه الدنيا ..

الشيء الوحيد الذي كان يدخل الابتسامة لقلبها هو رؤية ذلك الفتى الطالب في سنة أولى والذي يعمل في أوقات فراغه في كافتيريا الجامعة .. كان طفولياً لأبعد حد .. ملامح وجهه وعيونه الزرقاء وقامته القصيرة تعطيك انطباعاً بأنه طالب في المرحلة الإعدادية !!

كان يقابلها هي وصديقتها بابتسامة طفولية ودودة وإذا لمحهما في آخر الرواق .. يقوم بتجهيز طلبهما قبل أن تصلاه .. كوبين من النسكافيه مع القليل من السكر .. لم يتبادلا الكلام أبداً .. تضع منى له ثمن الكوبين وتنصرف هي وصديقتها بهدوء .. وهكذا على هذا الحال منذ بداية هذه السنة الدراسية ..

لاحظت منى ذات مرة وجود شيء صغير في كوبها .. قطعة صغيرة تكاد لا ترى بالعين لونها أخضر على ما يبدو أنها قطعة بقدونس صغيرة .. ربما سقطت سهواً من يده أثناء إعداد ساندويتشات الفول والفلافل .. تجاهلت الأمر في البداية ولكنه تكرر عدة مرات وفي النهاية قررت أن تواجهه .. وكان ذلك قبل بدء إجازة العيد .. حيث قالت له :

(كوبين نسكافيه سكر خفيف بدون سلطات !!)

ضحكا على الموقف واعتذر بشدة على ما بدر منه ووعدها بعدم تكرار ما حدث أبداً ..

..

ابتسمت منى ولمعت عيونها وكأن الأمل بدأ بالانبعاث في قلبها من جديد ..شدت صديقتها وقالت:

(هيا بنا .. لنذهب ونشرب النسكافيه).

أكملتا طريقهما نحو الكافتيريا .. ومن آخر الرواق لم ترى ذلك الفتى في مكانه.. سوف تبحث عنه وتخبره بطلبها المعتاد .. كوبين نسكافيه سكر خفيف بدون سلطات !!

لم تجده في أي مكان .. عجزت عن رؤيته .. وقررت أن تسأل عنه رغم عدم معرفتها باسمه .. تراجعت في آخر لحظة .. أخذت كوبها وأعطت صديقتها الكوب الآخر وغادرتا إلى مكانهما المفضل .. وإذا بها تلمح صورته في ذلك الملصق .. سارت نحو الجدار وقرأت اسمه ..

(مستحيل .. يبدو أنها دعابة سخيفة من أحدهم ..)

أسرعت منى وأمل نحو الكافتيريا .. وصفته للرجل الأخر الذي يعمل هناك .. سألته عنه .. صمت الرجل ولمعت الدموع في عينيه وقال :

(لقد استشهد رامي أول أيام العيد أثناء اجتياح القوات الإسرائيلية لمخيم البريج..)

ساد صمتٌ مطبق .. ربتت أمل على كتف صديقتها وسحبتها بهدوء .. يبدو أن كل ما يحيط بها قد حاك مؤامرة هذه المرة من جميع الاتجاهات لتسقط منى فريسة سهلة للاكتئاب .

______________

·        قصة قصيرة من كتاب " حد الوجع ".
******



الاثنين، 27 يناير 2014

يوسف


# حوليات
(211)
يوسف

دلف الصحفي الأجنبي إلى غرفة الفصل ، ترافقه معلمة اللغة الإنجليزية والتي كُلفت من قِبل المديرة بمساعدته في مهمته التي جاء من أجلها ، وهي إجراء مقابلة مع تلميذ من تلاميذ المرحلة الابتدائية.

ألقى بالتحية على التلاميذ بلكنة عربية مكسرة ، ثم بدأ يتفحص وجوه الصغار لعله يعثر على الطفل المناسب لإجراء المقابلة معه.

مضت الدقائق بطيئة وثقيلة بينما خيم الصمت على الصغار منتظرين ومتلهفين لمعرفة من سوف يقع عليه الاختيار.

حاولت المعلمة أن تساعده بعد أن رأت الحيرة على وجهه ، ترددت لكنها استجمعت شجاعتها وقالت له بلغة إنجليزية سليمة : هل تحتاج لمساعدة ؟

لم ينظر لها الصحفي ، هز كتفه واستمر في تفحص الوجوه لعله يعثر على ضالته.

لم تفهم هل تلك الحركة التي قام بها تعني نعم أم لا ، لذلك قررت أن تستكمل كلامها ، فاستطردت قائلة وهي تشير إلى أحد التلاميذ:

-       هذا معتصم ، إنه من أكثر تلاميذ الفصل ذكاءً ونبوغًا.

نظر إليه الصحفي لمدة دقيقة كاملة ثم هز رأسه ، وفي هذه المرة فهمت أن هذه الحركة تعني لا ، لكنها تشجعت أكثر وبدأت تعرض عليه التلاميذ تباعًا ، كانت تمشي بين الصفوف ، تشير لهذا الطفل وذاك وتأمرهم بالوقوف ثم تبدأ في عد مزايا كل واحد منهم.

-       هذه هبة ، لها صوتٌ ملائكي وهي التي تنشد السلام الوطني في طابور الصباح.
-       وهذا عبد الله ، عريف الفصل وهو محبوب من قبل زملائه.
-       أما هذا فهو سمير رئيس الكشافة ، وهو تلميذ نجيب أيضًا.

وهكذا استمرت المعلمة في اختيار التلاميذ ، تثني عليهم وتعرضهم على الصحفي المتجهم الذي ما انفك يهز رأسه بالرفض.

لذلك لم تجد المعلمة بدًا من الصمت ، وقد أصابها الضيق والملل لفشلها في مساعدته على اختيار تلميذ ، عادت إلى مقعدها تاركةً إياه وحده يتنقل بين مقاعد التلاميذ الذين تجاوز عددهم الأربعين لعله يعثر على ضالته وحده.

انهمك الصحفي في تفرس وجوه التلاميذ مرة تلو الأخرى ، وبعد أن أوشك هو الآخر على اليأس من الحصول على ضالته المنشودة ، لمح طفلًا يجلس بالقرب من النافذة ، ينظر من خلالها ويبدو على وجهه عدم الاكتراث والمبالاة بما يحدث داخل الفصل ، اقترب منه أكثر ، وهنا انتبه التلميذ للصحفي فاخفض بصره خجلًا.

-       ما اسمك ؟ قالها الصحفي بتودد.

تلعثم الطفل وأجاب:

-       يوسف.

-       كيف حالك يا يوسف ؟ قالها بلكنة عربية ثقيلة ، ثم أشار إلى المعلمة بيده لتقوم بدور المترجم بينه وبين يوسف الذي على ما يبدو أنه قد وقع عليه اختيار الصحفي.

جاءت المعلمة وقد ارتسمت على ملامحها أمارات الدهشة والعجب ، فهذا التلميذ بالكاد تذكر اسمه أو تشعر بوجوده أساسًا في الفصل ، فهو لم يكن من المتفوقين ولم تظهر عليه حتى علامات التميز في أي نشاط مدرسي ، لكنها لم تعترض ورضخت لاختيار الصحفي.

أدرك الصحفي دهشة وعجب المعلمة وربما عدم رضاها عن اختياره وذلك من حركة حاجبيها اللذين ارتفعا عاليًا ، لكنه لم يعرها أي انتباه ، بل طلب منها ترجمة كلامه ونقله للتلميذ.

قال الصحفي:

-       يوسف ، أريد منك أن تحكي لي حكاية لم يروها أو يسمعها أحدٌ من قبل ؟

صمت الطفل لفترة طويلة وخُيل إليهم بأنه لن يتكلم أبدًا ، لم يستعجله الصحفي وظل ينتظره حتى يبدأ.

ابتلع يوسف ريقه وشرع في الحديث:

-       كان يا ما كان ، يا سادة يا كرام ، أم تقف في مطبخها ، تعد طعام العشاء لزوجها وأطفالها بينما كان الأب يجلس ويشاهد نشرة الأخبار على جهاز التلفاز ويتجمع حوله أطفاله ، فالحرب على غزة ما زالت مشتعلة ، قصفٌ هنا وهناك ، والقتلى في كل مكان. فجأة سقطت قذيفة دبابة على المنزل الصغير وانهار جزء كبير منه. ساد الصمت لدقائق ، ثم فجأة انبثق صوت الأم ضعيفًا في الظلام ، تنادي زوجها وأطفالها، لم يجبها أحد سوى ابنها الأوسط ، زحف على يديه وقدميه حتى وصل إليها ، وقد وجدها تستند على الحائط وقد اختفت قدماها ، احتضنته وسألته بصوتٍ واهن عن البقية ، فأخبرها أن والده يقبع فيما يشبه الحفرة داخل الصالون دون حراك وتجثم فوق صدره أخته الصغيرة ولاء ، أما سمر وسحر ، فقد اختلطت أشلاؤهما ، وعندما صمت ، سألته عن أخيه الأكبر محمد ، فهز الابن كتفيه وقال لها أنه لم يراه ، فقط يده المُمسكة بكتاب الرياضيات كانت مُلقاة بجانب جهاز التلفاز المُهشم!

أخفت الأم دموعها وابتلعت ريقها بصعوبة ، وقالت لابنها : لا تخف ، أنا هنا معك ، لن يحدث لك مكروه ، كل شيء سوف ينتهي سريعًا ، لا تبكِ ولا تجزع مهما حدث ، والآن اسحب تلك السجادة المهترئة وضعها فوق أبيك وأخواتك ، ثم حاول أن تحضر لي غطاء رأسي ، لا أريد أن يراني أحد هكذا.

هز الابن رأسه وأسرع فسحب السجادة أو ما تبقى منها ووضعها فوق والده وأخواته ، ثم وجد ثوب الصلاة الخاص بوالدته ، أمسك به وأسرع إلى والدته في المطبخ ، نادى عليها فلم تجبه ، كانت عيناها مفتوحة ومحملقة في الفراغ ، نادى عليها مرة أخرى فلم تجبه ، جلس بجوارها لا يدري ماذا يفعل ، وضع يده على كتفها برفق وهز جسدها لعلها تصحو ، لكنها لم تفعل ، وانكفأت على جنبها الأيمن ، توقف عن محاولة هزها مرة أخرى وبقي دون حراك ، ثم تذكر كلماتها ، وضع الغطاء على رأسها ، وجلس بجوارها صامتًا ينتظر!

سأله الصحفي بتأثر، وكان كمن يخمن الإجابة : من تلك الأم يا يوسف؟

حبس يوسف دموعه وقال : هي أمي وأنا ذلك الابن.

تراجعت المعلمة للخلف مذعورة مما سمعت ، تعاتب نفسها وتلومها لعدم انتباهها لهذا التلميذ الصامت من قبل وعدم معرفتها بما يعتمر به صدره الصغير.

اغرورقت عيناها بالدموع ، حاولت أن تمنعها من السقوط لكنها فشلت ، وضعت يدها على فمها الفاغر في محاولة يائسة لحبس شهقاتها المتتالية.

وهنا نظر إليها الصحفي ولم ينبس ببنت شفة ، أدرك أن دوره قد انتهى بحصوله على مراده ، تنهد في سره ، وقد عزم على نشر قصة يوسف كما وردت على لسانه هو دون تعديل أو إضافة. 

جمع أوراقه ، طأطأ رأسه وغادر قاعة الفصل بهدوء.

******

الخميس، 19 ديسمبر 2013

تشابه غريب


# حوليات
(172)
تشابه غريب

في مشهد تاريخي من فيلم تيتانيك ، يقف قائد الأوركسترا حاملًا الكمنجة على كتفه ويبدأ بالعزف هو وفرقته الموسيقية وذلك فوق سطح السفينة التي تغرق ، في محاولة منهم لتسلية الركاب الخائفين الهائمين على وجوههم ، وتمضية ما تبقى لهم من وقتٍ على قيد الحياة ، وربما أيضًا لبث الدفء في أجسادهم في هذا الليل قارس البرودة.

يعزفون ويعزفون وقد شارفت السفينة على الغرق كليًا ، فيتوقف الموسيقار عن العزف ويشكر أعضاء فرقته على مرافقته متمنيًا لهم حظًا سعيدًا ، ويقول لهم بأنه كان سعيدًا بالعمل معهم.

يبدأ أعضاء الفرقة بالمغادرة أما هو فيستمر بالعزف منفردًا ، وإذ بهم ينظرون إليه بتردد ويفكرون قليلاً ، ليكتشفوا أنه لا مكان يذهبون إليه ، لذلك قرروا العودة للعزف معه مرة أخرى.

خطر هذا المشهد في بالها ومر أمام عينيها أثناء وقوفها أمام المجلى لغسل الأطباق والحِلل ، وذلك عندما جاء زوجها لمساعدتها في تنظيف وغسل الأطباق ، كانت في غاية السعادة لوقوفه بجانبها وهذه اللفتة الجميلة منه ، وعندما انتهى من غسل أخر طبق ، غادر المطبخ ظنًا منه بأن عملية التنظيف قد انتهت وأن زوجته سوف تلحق به سريعًا.

لكن الزوجة مازالت داخل المطبخ ، فهي لم تنتهي من تنظيف الحوض وجمع القمامة ووضعها في الكيس المخصص لذلك ، كما أنها شرعت في تنظيف البوتاجاز من البقع التي علقت به أثناء إعداد الطعام ووضعت سائل الكلور على الرخام لإزالة أي روائح عالقة به.

ومن ثم قامت بمسح أرضية المطبخ بالماء والصابون ، ومع ذلك لم يعد الزوج – كما توقعت – لمساعدتها كما فعل أعضاء تلك الفرقة مع قائد الأوركسترا.

لا تعرف لماذا خطر ذلك المشهد من الفيلم في بالها وما وجه الشبه بينه وبين ما حدث معها في المطبخ!

لكن على ما يبدو أن رومانسيتها المفرطة تختلق لها أشياء غريبة وتربط بينها بشكل أكثر غرابة!


******

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

انتظار


# حوليات
(164)
انتظار


جلس ينتظرها حتى تنتهي من إعداد طعام الإفطار له ولصغارها ، ومساعدتهم على ارتداء الزي المدرسي ، وترتيب حقائبهم وعمل ساندويتشات المدرسة وتمشيط شعرهم.

جلس ينتظرها حتى تعود من عملها بعد أن مرَّت على السوق لإحضار الخضروات واللحوم التي تحتاجها في تجهيز الطعام.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من إعداد طعام الغداء واستقبال الأولاد عند عودتهم من المدرسة وسؤالهم عن يومهم ومن ثم تقديم وجبة الغداء له ولهم.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من تنظيف مائدة الطعام بعد أن فرغ هو والأولاد من الأكل ، وغسل الأواني وإعداد الشاي للجميع ومن ثم ترتيب البيت ومسح المطبخ وتنظيف الحمام.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من إخراج الغسيل من الغسالة ومن ثم نشره ، وجمع الثياب من على حبل الغسيل وترتيبها ووضعها في خزانته وخزانة الأولاد.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من كي قمصانه وسراويله وتعليقهم في الخزانة.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من استقبال عائلته بعد صلاة العصر والترحيب بهم بما يليق وإعداد الحلوى الشهية لهم ، وتقديم الصنوف المختلفة من الفاكهة والعصائر لهم.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من مراجعة الدروس مع ابنها الكبير ، ومراجعة درس الإملاء مع ابنتهم الوحيدة ومساعدة الابن الأوسط في درس اللغة الإنجليزية ، ومن ثم ترتيب غرفة الأطفال وجمع ألعاب ابنهم الصغير.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من إعداد وجبة العشاء وتقديمه له وللصغار، ومن ثم تنظيف البيت مرة أخرى.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من مساعدة الصغار على أخذ حمام دافئ قبل النوم.

جلس ينتظرها حتى تنتهي من إعداد وجبة الحليب لصغيرها بعد أن بدأ في نوبة بكاء طويلة في منتصف الليل.

جلس ينتظرها حتى تنتهي مما تفعله ، أما هي فلم تنتظر أحد ، فقد توجهت بعد يومها الطويل الشاق والمتعب إلى سريرها ، ألقت بنفسها عليه دون أن تنظر حتى إلى المرآة ، دون أن تنظر لمن يجلس هناك ينتظرها حتى تنتهي..

*****



الاثنين، 25 نوفمبر 2013

صباح بطعم القهوة


# حوليات
(148)
صباح بطعم القهوة


لم تكن لديها رغبة في مغادرة سريرها هذا الصباح ، بقيت مستلقية على ظهرها ، منتشية بهذا الكسل الصباحي ، تسللت عبر نافذتها رائحة أزهار الخزامى ، التي سرعان ما تغلبت عليها رائحة القهوة العربية التي يعدها زوجها.

كانت الرائحة قوية ومنعشة تشي بأن اليوم سوف يكون جيدًا طالما كانت بدايته هكذا.

كانت تقيس أيامها وتقيمها حسب أول رائحة تصل لأنفها عند استيقاظها ، إذا اشتمت رائحة الورود فيومها سوف يكون رومانسيًا ،  وإذا اشتمت رائحة فاكهةٍ ما فيومها سوف يكون عامرًا بالأعمال ، أما أخر ما كانت تتمنى أن يلتقطه أنفها هو رائحة وقود السيارات ، فإنها كفيلة بأن تقلب يومها رأسًا على عقب.

 أما إذا اشتمت رائحة القهوة فهذا يعني أن اليوم سوف يكون رائعًا بكل المقاييس وعلى كافة الأصعدة.

قاومت كسلها المحبب لنفسها ونهضت تجر خلفها ثوبها الأبيض الطويل ، سارت حافيةً ، تتهادى في مشيتها ، تداعب خصلات شعرها المتموجة ، طبعت قبلة حانية على جبين زوجها ثم جلست بجواره على المنضدة الصغيرة في المطبخ.

كان فنجان قهوتها ينتظرها بجوار فنجان زوجها واللذان كانا يشكلان معًا ثنائيًا متداخلًا رائعًا.

أشبكت يدها في يد زوجها ، وباليد الأخرى أمسكت فنجانها وارتشفت القليل من القهوة ، ثم أغمضت عينيها مستمتعة بمذاق القهوة الغني.

وضعت رأسها على كتف زوجها وقالت :

من تغزل بالقهوة كُثر وأنا الآن ، وفي أوج شغفي بها ، أحب أن أزيدهم من الشعر بيتًا ، إن القهوة ليست بقهوة إذا شربها الفرد وحيدًا بدون عزيزٍ على قلبه يشاركه فيها، إن القهوة تحب المشاركة لا الوحدة ، ولا أطعم من قهوة تُقدم لك من أحدهم بدلًا من أن تصنعها بنفسك ، إن القهوة لا تُعد بل تقدم.

ابتسم زوجها وقال: وأنا لا طعم لقهوتي بدونك.

مالت برأسها في دلال ودلع وهمست في أذنه قائلة : وما السعادة في الدنيا إلا حبيب يشارك حبيبه فنجان قهوة .

اتسعت ابتسامتها وأصبحت بحجم الكون ، استطردت قائلة:

هكذا تكون القهوة ، هكذا يكون الحب.

دمت لي زوجًا وشريكًا وحبيبًا بطعم القهوة الصباحية.


******

الأربعاء، 7 أغسطس 2013

كانوا ثلاثة



# حوليات

(38)

كانوا ثلاثة

جلست تراقب الرذاذ المنسكب بعفوية شديدة على نافذة حجرتها ، حجب الرؤية عن كل شيء .. لم تعد ترى شجرة الجميز العملاقة التي ترسم نفسها كأنها أسطورة قادمة من عالم ألف ليلة وليلة ، لم تعد ترى ضحكات الأطفال ولا تسمع نظرات الحيرة في عيونهم الصغيرة البريئة ، فقدت كل حواسها ، بعد أن تداخلت في بعضها البعض.. اختلطت فما عادت تفرق بين تلك الحاسة وتلك.

أدارت ظهرها للنافذة المستوحشة ، وأقلعت بعيون خائفة وقلب مرتجف إلى مطار الذكريات لتهبط على رصيف الألم المشوب بالترقب ، عدى عامٌ كامل على رحيل الابتسامة وغياب الألفة ، عامٌ كامل ما تزال تجلس في نفس المكان ، بنفس الثياب ، بنفس الروح ، بنفس الجسد ، تنتظر وتنتظر .. لا تنتظر عودتهم ، بل تنتظر موعد رحلتها لتلحق بهم ، بعد أن سافروا بدون ميعاد ولا حتى وداع .

كانوا ثلاثة .. نعم ثلاثة .. توشحوا بالأبيض وفتات النسرين يعبق أجسادهم الصغيرة ، ينشر عطره على من يراهم ويستبق خطاهم ..

كانوا ثلاثة .. نعم ثلاثة .. رسموا زهرة عمرها ، ورونق جمالها ، وسحر بريقها ، وأنعموا عليها بأجمل لقب قد تحلم به امرأة ..

كانوا ثلاثة .. نعم ثلاثة .. غطوا في نومٍ عميق .. لا يريدون شيئاً من عالم الأوغاد إلا الراحة والهدوء.

كانوا ثلاثة .. أرادوا اللعب بالدمى وبالرمال الصفراء المبعثرة على حدود الأمل والصبر ..

فاجأتهم رياح الغدر .. وسحقت أجسادهم الندية فتطايرت أشلائهم لتعبق المكان برائحة ورد لم يتفتح بعد .

سمًّوها في نشرات أخبارهم " ألغامٌ أرضية " وأسمتها هي في جعبة القلب " أحقادٌ بشرية " ..

قالوا : ثلاثة أطفال كانوا.. صبيين اثنين وصبية ، كانوا مجرد أرقام في نظرهم .. وكانوا بالنسبة لها ثلاث فلذات أكباد تمشي على الأرض العصية .

منذ رحيلهم .. فقدت صلتها بالأحياء ، لم تعد منهم ولم يعدوا منها ، أصبحت تعيش في برزخ يفصلها عن كل شيء بلا شيء .

لا تعلم هل هي حية في عالم أموات ، أم ميتة في عالم أحياء ..

لم تعد تعلم من هي .. من أين جاءت ، وإلى أين تذهب ، كل ما تفعله هو الانتظار .. الانتظار فقط ، لعل القادم من بعيد يحمل أخباراً عن أحبابٍ غادروا سفينتها مبكراً .. عن أحبابٍ رحلوا حتى يلعبوا دون ملل أو كلل ، دون أن يؤنبهم البعض على أصوات ضحكاتهم الصاخبة .. دون أن يشتكي البعض من أصوات أقدامهم ورقصاتهم الليلية في أحضان تلك البرية..

عادت لتنظر من جديد عبر نافذتها الخرساء ، مازال الرذاذ ينسكب بعفوية شديدة عليها ، حجب الرؤية عن كل شيء .. لم تعد ترى شجرة الجميز العملاقة التي ترسم نفسها كأنها أسطورة قادمة من عالم ألف ليلة وليلة ، لم تعد ترى ضحكات الأطفال ولا تسمع نظرات الحيرة في عيونهم الصغيرة البريئة ، فقدت كل حواسها ، بعد أن تداخلت في بعضها البعض .. اختلطت فما عادت تفرق بين تلك الحاسة وتلك ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من كتابي " حد الوجع ".

******


الخميس، 14 فبراير 2013

ثقل الذكريات




ثقل الذكريات

مرة بعد مرة  تضبط نفسها متلبسة بالذكريات ..لا .. بل بتفاصيل الذكريات .. تفاصيل بلغت من العمر خمسة وعشرون عاماً هي عمر ابنها " نور الدين " الذي اختار حضن الأرض عن حضنها ، اختار ضمة تراب الوطن عن ضمة صدرها.

رحل من دوخ جنود الاحتلال وأعياهم ، رحل من اشترى الآخرة بالدنيا ، رحل من باع رغد العيش بشظفه ،  رحل ذلك ( الرجل ) بعد أن خلد صورته في ذاكرة الجميع كـ فارس وبطل .. لكنه رغم ذلك يبقى في ذاكرتها ذلك الطفل الذي يرفض أن يرتدي البنطال بمساعدة أحد ، ذلك الطفل الذي يفضل البَرَّد بطعم المانجا عن طعم الليمون ، ذلك الطفل الذي لا يغسل أسنانه قبل النوم بل بعد استيقاظه منه ، ذلك الطفل الذي يحب الشوكولاته بطعم الفراولة ولا يحبها بطعم جوز الهند ، ذلك الطفل الذي يصر على الاستماع إلى سورة يس بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ليلاً قبل أن يخلد إلى النوم .

أفيقي يا منال ، الذكريات لا تعيد الغائب بل تزيد من لوعة غيابه ، لقد رحل نور الدين ولن يعود ، حتى لو ملئتِ الدنيا صراخاً لن يعود ، حتى لو بكيتِ بدلاً من الدموع دماً لن يعود ، حتى لو صليتِ أبد الدهر لن يعود ، لن يعود ذلك الشقي الذي ما انفك يشاكسكِ أثناء طهوكِ للطعام ، لن يعود ذلك الولد الذي يلعب بالكرة داخل المنزل ، لن يعود من كان يوقظكِ وهو يطبع آلاف القبلات على جبينكِ كل صباح .. لن يعود من كان يغضبكِ صباحاً ويتوسد ركبتيكِ مساءاً .

ماذا أفعل بأشيائه الصغيرة ؟ ماذا أفعل بكل الأشياء التي احتفظتُ بها كي أريها لأبنائه .. ثوبه الأزرق التركوازي ، أقمطته البيضاء ، سيارته الحمراء الصغيرة ، حذائه الكُحلي ؟!

ماذا أفعل بصوره القديمة مع أصدقائه في رحلاته المدرسية ، ماذا أفعل بألعابه ؟ مضرب التنس ، كرة القدم ، دراجته ، ماذا أفعل بدفتر مذكراته ؟ ماذا أفعل برسوماته .. بدفاتر رسمه وأقلام تلوينه ، ماذا أفعل بكتاب الكيمياء الذي احتفظ به دون إبداء أسباب ؟ ماذا أفعل بملابسه الشتوية المخبئة بالحقيبة أعلى الخزانة ؟ ماذا أفعل بجلابيته وطاقيته ومصليته وقرآنه ؟ ماذا أفعل بتفاصيله الدقيقة .. ماذا أفعل ..؟؟! ماذا أفعل بالكم الهائل من ذكرياتي معه ؟

لماذا رحل مخلفاً ورائه أشياؤه وتفاصيله.. لماذا لم يأخذها معه ؟ لماذا تركها خلفه .. هل لتزيد من لوعتي .. لتزيد من وجعي ؟! .. فما أشياؤه وتفاصيله الصغيرة سوى خناجر مغروسة في خاصرتي !

رفقاً بي أيتها الذاكرة .. فأنا لم أعد احتمل أكثر من ذلك .. آن الأوان لأفقد تلك الذاكرة اللعينة التي تحتفظ بكل التفاصيل .. وتعيدها على مسمعي وتكررها برتابة وبدون كلل أو ملل .. تلك الذاكرة التي ترتكب في حقي أكبر جريمة .. تلك الذاكرة التي تأبى أن تُصاب بالخرف والهرم .. تلك الذاكرة التي تخونني بكل وقاحة وبدون شعور بالذنب أو حتى تأنيب ضمير !

هَدتني الذاكرة وأرهقتني التفاصيل ..فـ يا لثقل الذكريات ، وضيق سقف السماء ..


****