السبت، 18 فبراير، 2017

جريمة في رام الله


في بيتنا كتاب
جريمة في رام الله لـ / عباد يحيى


نويت شراؤها من معرض الكتاب في القاهرة لأن اسم الرواية جذبني ثم عدلت عن ذلك بعد أن قرأت بعض الاقتباسات التي تداولها بعض الفيسبوكيين والتي تحتوي على عبارات ومقتطفات من الرواية خادشة للحياء العام !!!!؟

وكنت قد سمعت أن النائب العام الفلسطيني منع توزيعها وعمل على مصادرة النسخ من المكتبات العامة وأن الشرطة استدعت الكاتب والموزع للتحقيق.

أولا أنا ضد الوصاية الفكرية بكافة أشكالها وضد المنع وفي نفس الوقت أنا ضد استخدام عبارات بذيئة عامية وسوقية في النص الأدبي.

ثانيًا قبل قراءة الرواية طرأ في بالي أن الكاتب ربما أراد من وراء هذه الكتابة الشهرة وخاصة أننا شعوب تبحث عن الفضائح وعن كل ما هو ممنوع وشاذ وربما أنه أراد فقط أن يتعمق في المشهد المجتمعي ويتمثله بكل القبح الذي يكتنفه لذلك عمد لاستخدام ألفاظ الشارع الدارجة. 

أنا لستُ ضد التمثل بالواقع والتماهي فيه ونقله كما هو للقارئ لكن ضد استخدام الكلمات البذيئة وهي في نظري تعتبر من المنفرات في القراءة ولن تعود بفائدة أدبية على القارئ، كان يمكن للكاتب استخدام ألفاظ مقبولة أكثر ولائقة لنص أدبي مثل هذا.

عمومًا قلّت رغبتي في الحصول على الكتاب، ولم اهتم كثيرًا عندما علمت أنها متوفرة الكتروني فلم ابحث عنها.

ولكن أثناء تحميلي للأعمال الكاملة لنجيب محفوظ عرض الموقع أمامي النسخة الالكترونية من جريمة في رام الله كإحدى ترشيحاته ، فقلت لنفسي ما هذه الصدفة التي تدفعني دفعًا نحو هذه الرواية، ثم قمت بتحميلها وفي نيتي تركها بجانب الكتب على رف "للقراءة" وعندما انتهى التحميل قلت لنفسي لنأخذ نظرة سريعة على المحتويات لأجد نفسي وقد أنهيتها في جلسة واحد. 

الرواية ليست سيئة بالمطلق كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ، باستثناء طبعًا بعض العبارات البذيئة والتوصيفات المقززة والتي قد يجدها القارئ في أي كتاب أو رواية لكاتب عالمي من الشرق أو الغرب والتي في وجهة نظري تنقص من قيمة الكاتب عندي ولا تزيدها ولا أرى أي مبرر أو شفيع للكاتب مهما علت شهرته من استخدام مثل تلك الكلمات في نص أدبي مهما كانت الدوافع والمبررات، فالكاتب يجدر به أن يختلق توصيفات وعبارات تكون غارقة في الواقعية السوداوية لكن دون أن تثير اشمئزازي أو تقززي.

يستطيع الكاتب الجيد "الشاطر" أن ينقل فكرته ويطرحها بأمانة دون يلجأ لمثل هذه الألفاظ غير المقبولة على النفس البشرية السوية، ما ذنبي كقارئة كي اقرأ كلام بذيء في رواية اقرأها وأنا كمسلمة وكفلسطينية لم تتلفظ بحياتها بمثل هذه الألفاظ وتمنع وترفض استخدامها في بيتها وخاصة أمام صغارها.

أنا لا اعرف عباد يحيى معرفة شخصية ولا استطيع أن ادخل في عقله لاعرف دوافعه نحو كتابة هذه الرواية، ورأيي هذا لا يتعرض لشخصه بل لمادة روايته التي أصبحت بين يدي "سواء بطريقة شرعية أو بدون" ويحقُ لي نقدها كما أريد.

أيضًا الجزئية التي تحدث فيها عن أبو عمار، لا اعرف سببًا واضحًا لاختيار الكاتب للحديث عن رمز فلسطيني بهذه الطريقة، أنا من الأشخاص الذين يحبون أبو عمار محبة طفولية ولكني أيضًا من المؤمنين بأنه شخص نختلف معه لكن لا نختلف عليه، لكن الصورة التي رسمها الكاتب له جاءت مقززة ولا تليق برمز لقضيتنا الفلسطينية، لقد تجاوز أبو عمار كونه رئيسًا لمنظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية بل أصبح سواء اتفقنا على ذلك أم اختلفنا رمزًا لقضيتنا فلا يجوز من وجهة نظري الحديث عنه بهذه الصورة المخزية، أبو عمار ليس كبيرًا على النقد وأيضًا لم يكن إلهًا يعبده الفلسطينيون لكن هذا لا يعطينا الحق في التقليل من شأنه أو محاولة تشويه صورته بعد رحيله، أنا لا اعرف انتماء الكاتب الحزبي وإلا لكان زج اسم أبو عمار وإقحامه في رواية بهذه الصورة الفجّة له سببًا أو مبررًا.

بالنسبة لجزئية الطبيب النفسي كانت مقحمة ولا معنى لها سوى الاستعراض وأشك بأنها مناسبة للموقف فلم أر في حياتي طبيب نفسي يتكلم ولا يدع المريض يفتح فمه، أيضًا شخصية الطبيب في المشرحة لم تقنعني بالمرة وكانت غير مقبولة وحواره مع وسام واستخفافه بالجثة أمامه لم يوظف بطريقة صحيحة فالفلسطيني لا يتصرف هكذا في مثل هذه المواقف، أيضًا لم أر أي شخصية سوية في الرواية، الجميع سيئون ولا يوجد نموذج واحد لإنسان جيد أو متزن على الأقل .

عامةً الرواية جميلة باستثناء ما سبق قوله وهي مختلفة وقد استطاع كاتبها بكل مهارة ممكنة أن ينقلني بصورة آنية لشوارع رام الله وأحيائها ولكنها ليست رام الله التي عرفتها صغيرة وسكنت في وجداني وأحببتها من كل قلبي، هذه رام الله أخرى لا أعرفها ولا أريد، المدينة التي رسمها الكاتب هي مدينة مشوهة مختلة جعلتني اتساءل أين ذهبت المدينة التي عرفتها وزرتها عدة مرات في طفولتي البعيدة وتركت أثرًا طيبًا في روحي لا يزول، لكن عند وقوفي المطول أمام هذا السؤال تيقنت بأننا كفلسطينيين وللأسف الشديد فإن انتمائاتنا الحزبية تؤثر بصورة فجّة على نقلنا للصورة وللمشهد الفلسطيني بشكله الصحيح والموضوعي. 

الرواية أيضًا من نوعية الروايات التي كنت أتمنى أن اقرأها في الأدب الفلسطيني والتي تتناول المجتمع الفلسطيني من الداخل بعيدًا عن المحتل الإسرائيلي أو لنقل أن الاحتلال لم يكن على الأقل بطلاً في الرواية كعادة الكُتّاب الفلسطينيين عند حديثهم عن فلسطين بل كان متواجدًا باهتًا في الخلفية، ولم يكن هنا بأية حال الشماعة التي نعلق عليها أخطاؤنا.

من الواضح جدًا أن الكاتب موهوب ولغته طيعة وقريبة من القلب ولديه ما يقوله أو يضيفه للأدب، واعتقد أنه سوف يكون له مكانة مميزة في الأدب الفلسطيني، لم أندم على قراءة روايته ولكني استبعد أن اقرأ له مجددًا إذا أصر على سلك نفس الدرب في الكتابة "وأعني استخدام الألفاظ البذيئة والسوقية " وأتمنى ألا يفعل لأن قلمه يستحق أن يُقرأ.

***

هناك تعليقان (2):