الأحد، 25 أغسطس، 2013

الجمل الذي أنقذ حياة والدي



# حوليات

(56)

الجمل الذي أنقذ حياة والدي

سافر أبي ذات صيف مع رفاق له ، وكان يمتطي جملاً كسائر مرافقيه وكانوا خمسة من نفس البلدة التي يقطنها ، كانوا متجهين نحو العقبة بحثاً عن لقمة العيش ، وفي الطريق وبالقرب من إحدى الهضاب ، أناخ جمل والدي نفسه وجلس على الأرض ، حاول أبي أن يستحثه على مواصلة السير ولكن الجمل رفض ، حاول أبي ضربه وشده بقوة إلا أنه لم يستجيب له ، فنصحه رفاقه بأن يتركه يستريح ربما أحس بالتعب.

-       كيف يشعر بالتعب ولم نسر إلا القليل ؟

-       دعك منه .. وانتظره حتى يقوم بنفسه .. وحاول أن تلحق بنا.

جلس أبي فوق الهضبة يشيع أصدقاءه بنظرات مليئة بالحقد والغضب على جمله ، ويحاول أن يستكشف طريق سيرهم حتى لا يتوه عنهم.

وبينما كان والدي يتابعهم ، إذا به يلمح جيب عسكري إنجليزي وقد أثار عاصفة من الغبار يقترب من رفاقه ومن ثم ينزل الجنود من الجيب ويأمرون الرجال – رفاق والدي - بالنزول من فوق الجمال ، وقد أوقفوهم صفاً واحداً ، ودون سابق إنذار قاموا بإطلاق النار عليهم وسقطوا على الأرض مضرجين بدمائهم ، ومن ثم غادر الجيب العسكري.

كان أبي ينظر إليهم غير مصدق ما رأته عيناه ، أخذ يركض بكل قوة حتى وصل لرفاقه ، فوجدهم قد فارقوا الحياة جميعًا ، لم يدري ماذا يفعل ، وقفل عائداً حيث يرقد جمله الذي ما أن رآه حتى انتصب واقفًا وحمل والدي وعاد به إلى البلدة.

هرع والدي إلى بيت المختار وهو يلهث ..

-       يا مختار .. يا مختار.

-       ما بك يا سليمان.

-       لقد قتلوهم .. قتلوهم جميعًا.

-       من قتل من ..؟؟

-       الجنود الإنجليز قتلوا رفاقي جميعًا.

-       ماذا ؟ كيف حدث ذلك ؟

-       لا أدري يا مختار .. لا أدري .. رأيتهم وقد أمروهم بأن يقفوا صفاً واحداً ثم أطلقوا النار عليهم ، ولقد تركتهم خلفي وقد فارقوا الحياة جميعًا ، تركتهم غارقين في دمائهم.

-       يا إلهي .. يا إلهي .. وأين كنت أنت ؟

-       لقد تخلفت عنهم بسبب جملي الذي رفض أن يكمل المسير معهم !

جمع المختار الرجال وتوجهوا إلى المكان الذي وصفه أبي لهم ، ووجدوا الرجال ملقين على الأرض ، حملوهم على الجمال وعادوا إلى البلدة ، وبعد أن قاموا بدفنهم ، عاد أبي إلى البيت منهكًا حزينًا ، طلب من أمي أن تغطيه باللحاف الثقيل رغم أن الجو كان خانقًا وحاراً .. ولكنه كان محمومًا و يرتجف .

وفي الصباح ، جلس أبي في فناء البيت ينظر إلى جمله الراقد هناك ، وتساءل في نفسه: "كيف عرف هذا الجمل بما سوف يحدث ، لو لم يتوقف خلف الهضبة لكنت الآن ارقد جثة هامدة بجانب رفاقي في القبر ، لقد أنقذت حياتي أيها الجمل!".

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق