الأربعاء، 7 أغسطس، 2013

كانوا ثلاثة



# حوليات

(38)

كانوا ثلاثة

جلست تراقب الرذاذ المنسكب بعفوية شديدة على نافذة حجرتها ، حجب الرؤية عن كل شيء .. لم تعد ترى شجرة الجميز العملاقة التي ترسم نفسها كأنها أسطورة قادمة من عالم ألف ليلة وليلة ، لم تعد ترى ضحكات الأطفال ولا تسمع نظرات الحيرة في عيونهم الصغيرة البريئة ، فقدت كل حواسها ، بعد أن تداخلت في بعضها البعض.. اختلطت فما عادت تفرق بين تلك الحاسة وتلك.

أدارت ظهرها للنافذة المستوحشة ، وأقلعت بعيون خائفة وقلب مرتجف إلى مطار الذكريات لتهبط على رصيف الألم المشوب بالترقب ، عدى عامٌ كامل على رحيل الابتسامة وغياب الألفة ، عامٌ كامل ما تزال تجلس في نفس المكان ، بنفس الثياب ، بنفس الروح ، بنفس الجسد ، تنتظر وتنتظر .. لا تنتظر عودتهم ، بل تنتظر موعد رحلتها لتلحق بهم ، بعد أن سافروا بدون ميعاد ولا حتى وداع .

كانوا ثلاثة .. نعم ثلاثة .. توشحوا بالأبيض وفتات النسرين يعبق أجسادهم الصغيرة ، ينشر عطره على من يراهم ويستبق خطاهم ..

كانوا ثلاثة .. نعم ثلاثة .. رسموا زهرة عمرها ، ورونق جمالها ، وسحر بريقها ، وأنعموا عليها بأجمل لقب قد تحلم به امرأة ..

كانوا ثلاثة .. نعم ثلاثة .. غطوا في نومٍ عميق .. لا يريدون شيئاً من عالم الأوغاد إلا الراحة والهدوء.

كانوا ثلاثة .. أرادوا اللعب بالدمى وبالرمال الصفراء المبعثرة على حدود الأمل والصبر ..

فاجأتهم رياح الغدر .. وسحقت أجسادهم الندية فتطايرت أشلائهم لتعبق المكان برائحة ورد لم يتفتح بعد .

سمًّوها في نشرات أخبارهم " ألغامٌ أرضية " وأسمتها هي في جعبة القلب " أحقادٌ بشرية " ..

قالوا : ثلاثة أطفال كانوا.. صبيين اثنين وصبية ، كانوا مجرد أرقام في نظرهم .. وكانوا بالنسبة لها ثلاث فلذات أكباد تمشي على الأرض العصية .

منذ رحيلهم .. فقدت صلتها بالأحياء ، لم تعد منهم ولم يعدوا منها ، أصبحت تعيش في برزخ يفصلها عن كل شيء بلا شيء .

لا تعلم هل هي حية في عالم أموات ، أم ميتة في عالم أحياء ..

لم تعد تعلم من هي .. من أين جاءت ، وإلى أين تذهب ، كل ما تفعله هو الانتظار .. الانتظار فقط ، لعل القادم من بعيد يحمل أخباراً عن أحبابٍ غادروا سفينتها مبكراً .. عن أحبابٍ رحلوا حتى يلعبوا دون ملل أو كلل ، دون أن يؤنبهم البعض على أصوات ضحكاتهم الصاخبة .. دون أن يشتكي البعض من أصوات أقدامهم ورقصاتهم الليلية في أحضان تلك البرية..

عادت لتنظر من جديد عبر نافذتها الخرساء ، مازال الرذاذ ينسكب بعفوية شديدة عليها ، حجب الرؤية عن كل شيء .. لم تعد ترى شجرة الجميز العملاقة التي ترسم نفسها كأنها أسطورة قادمة من عالم ألف ليلة وليلة ، لم تعد ترى ضحكات الأطفال ولا تسمع نظرات الحيرة في عيونهم الصغيرة البريئة ، فقدت كل حواسها ، بعد أن تداخلت في بعضها البعض .. اختلطت فما عادت تفرق بين تلك الحاسة وتلك ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من كتابي " حد الوجع ".

******


هناك 3 تعليقات:

  1. مؤلمة جدا لكنها معبرة وجميلة

    تحياتي

    ردحذف
  2. و لهذا اسمه (حد الوجع)!

    ردحذف
  3. لأن الفلسطيني معجون بطين الوجع .. كان هذا الكتاب مؤلم حد الوجع ..

    شكرًا لمروركما العطر.

    ردحذف