الخميس، 13 مارس، 2014

أين هو ؟!


# حوليات
(256)
أين هو ؟!
الآن ..

يهطل المطر بغزارة ، أتابعه من وراء نافذة غرفتي وقد التحفت ببطانيتي ، أسرح بجماله الأخاذ ، واشرد بتفكيري بعيدًا عن الحياة وهمومها والأخبار الصباحية الكئيبة التي تتحدث عن التصعيدات الإسرائيلية واحتمالية اقتراب شن حرب جديدة على غزة.

اشرد بعيدًا وأتابع قطرات المطر ، تارةً وهي تسقط على الإسفلت وتارةً أخرى وهي ترتطم بحواف النافذة محدثة صوتًا موسيقيًا ناعمًا ، أشاهدها وهي تغسل النفوس المتعبة والأرواح المرهقة ، تنظف الشوارع المُتربة والنوافذ المُغبرة وتعيد لوجوه الأشياء ألوانها الأصلية.

استمتعت بذلك الشرود الذي لم يدم طويلاً ، فقد لمحت بعض الثياب المنشورة على حبل غسيل جارنا العجوز ، وتساءلت في نفسي أين هو ؟! ولماذا ترك ثيابه على الحبل في هذا الجو الماطر ، ألا يخاف أن تتبلل الملابس؟

انتظرت ومازلت انتظر أن يخرج إلى شرفته ويجمع ثيابه لكنه لم يفعل حتى لحظة كتابة هذه الكلمات ، يا ترى أين هو ؟ شغلني هذا السؤال وأنساني المطر وقطراته ، وبدأت أضع بعض الاحتمالات والكثير من التصورات والسيناريوهات.

السيناريو الأول:

ربما كان متعبًا منذ ليلة الأمس بعد أن قضى الساعات الطوال أمام شاشات التلفاز يتابع نشرات الأخبار ، فلم يغادر سريره حتى الآن.

السيناريو الثاني:

ربما انقطاع التيار الكهربائي طوال الليل وحتى الساعات الأولى من الصباح أرَّقه وزاد من توتره وحرمه من النوم ، فحاول أن يعوض تلك الساعات بالنوم في هذا الصباح ونسي أمر المطر والثياب.

السيناريو الثالث:

ربما غادر مسرعًا هذا الصباح وتوجه إلى ويسترن يونيون – فرع غزة لإيداع مبلغ من المال لابنه الطالب المغترب في روسيا والذي لم يعد حتى الآن رغم انقضاء أكثر من عشر سنوات على سفره.

السيناريو الرابع:

ربما أيقظته ابنته المتزوجة من نومه بعد أن عصفت المشاكل بينها وبين زوجها وطالبته بالتدخل السريع لحل الأزمة فيما بينهما.

السيناريو الخامس:

ربما خرج هائمًا على وجهه ، بعد ليلة حرمان طويلة ، يبحث عن شريكة جديدة لحياته بعد رحيل الشريكة الأولى قبل عشرين عامًا ، لتشاركه في فطوره الصباحي وقهوته ، تعد له الطعام الشهي بعد أن فقد قدرته على إتقانه ، تغسل له ثيابه وتكويها ولا تنساها على حبل الغسيل أثناء هطول المطر.

السيناريو السادس:

هو السيناريو المفزع الذي لا أرغب في تصوره أو حتى التفكير فيه ، وهو إصابته بنوبة قلبية مفاجئة أثناء إعداده لقهوة الصباح ، أراه وحيدًا بالمنزل ، وأراها قهوة منسكبة على أرضية المطبخ وبجوارها جسد مسجى غادرته الروح للتو.

توقفت عن كتابة السيناريوهات المحتملة ، اقتربت من النافذة أكثر والتصقت بها ، نظرت إلى باب الشرفة المغلق وإلى نباتات الزينة التي رصَّها ، قبل يومين ، على حوافي شرفته وسألتهم بقلق يشوبه الخوف: أين هو ؟!

لم احصل على إجابة ، ومازلت انتظر حصولي عليها منذ أكثر من ثلاث ساعات.

******




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق