الخميس، 12 سبتمبر، 2013

مقالة في العبودية المختارة



# حوليات

(74)

في بيتنا كتاب

مقالة في العبودية المختارة لـ / آتين دي لا بوسيه


من النادر أن اقرأ مقدمة كتاب كاملة أو حتى جزء منها إلا أني هنا بدأت في قراءة مقدمة طويلة نسبياً لـ " مقالة في العبودية المختارة " بقلم المفكر الإسلامي المادي" إن صح التعبير " : جودت سعيد ، حيث أُدرجت على شكل مداخلة بواقع 73 صفحة.

في البداية أعجبني أسلوبه وطريقة عرضه ومناقشته للكتاب ، فبحثت لاكتشف معلومات كثيرة عن صاحب تلك المداخلة ، فهو السوري الشركسي خريج الأزهر الشريف بمصر ، وقد وجدت العديد من كتبه ومؤلفاته إلا أني وجدت أيضاً نقداً لكتاباته وأرائه بقلم عادل التل تحت عنوان : أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي " نقد كتابات جودت سعيد" مما وضعني في حيرة من أمري حول أفكار ومعتقدات هذا المفكر الذي وصفه الكاتب عادل التل بالمفكر العلماني المدافع عن النظرية الماركسية .

عموماً – رغم ما سبق – فقد استمتعت بقراءة تلك المداخلة وسوف أعود مرة أخرى لقراءة بعضاً من كتب ذاك المفكر "أو الفيلسوف" للوقوف على أرائه ومعتقداته ، فهو مجتهد في علمه وعمله ، وكما نعلم أن لكل مجتهدٍ نصيب!

وهنا أدرج بعض الاقتباسات من تلك المداخلة :

" إن الإيمان بالقوة يوقعنا في خطيئتين: الأولى أننا نحاول مواجهة القوة بالقوة نفسها، ونكون بذلك قد جعلنا منطلقنا وقبلتنا واحدة وملتنا ملة واحدة معه وننتظر حتى تصير لنا قوة حتى نكون مثله ولكن ننسى أن الانتصار بالقوة لا يغير الواقع لأن الذي حل محله مثل الذي زال وليس غيره.
والمنطق يستبعد هذا أولاً وثانياً إن إيماننا بالقوة يحول بيننا وبين أن ندرك قوة المنطق وقوة الحق وقوة العدل فلهذا لا نفهم أن المنطق والحق والعدل فيها قوة أعظم، يكفي أن نصدق هذا ونكون مؤمنين به حتى نتحرر، ولكن لم نكشف هذا !! فهذه المقالة تريد أن تنبه إلى شيء من هذا وأنا كمسلم وكمؤمن بالقرآن وبالأنبياء أشعر جيداً جداً بأن الوهم هو الذي يحكمنا، ويذلنا إنه هو الذي يتحكم فينا، ولم يوجد بعد بيننا من يفك السحر حتى نشفى من مرض الوهم ".

"إن رفض الإكراه يجب أن يكون من طرفين، لأن الذي وقع عليه الإكراه ورفض من طرف واحد أو في حالة واحدة لا تكفي لأنك حين تكون أنت الذي فرضت الإكراه وهذا لا يخطر في بالك كذلك الناس يكونون دعاة ديمقراطية ما داموا خارج القدرة على الإكراه، ولكن بمجرد أن يصير قادراً على الإكراه ينبذ الديمقراطية وراء ظهره ويصير في الميدان قائلاً أنا ربكم الأعلى وإلا فكيف دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان هم الذين يعيقون الديمقراطية في العالم ويخافون أن يصير الناس ديمقراطيين".

"فإذا كان لا إكراه في الدين فمن باب أولى رفع الإكراه عن بقية الأمور وخاصة السياسة لأن السياسة التي تأتي بالإكراه ليست بسياسة وليست برشد وإنما غي وبغي، لهذا سمي المسلمون الخلفاء الذين جاءوا بدون إكراه ولم يجعلوها وراثة في أبنائهم سموهم راشدين، لأن الرشد من الغي يتبين بالإكراه ولم يسموا بعدهم أحداً راشداً ممن جاءوا بالإكراه والوراثة ".

خلاصة المداخلة :

إن المفكر جودت سعيد ومن خلال مداخلته يدعو جميع الأطراف إلى نبذ العنف مقابل الإيمان بالإقناع واستخدام العدل وكلمة السواء والإحسان والبر والحب في مواجهة المشكلات التي تعاني منها البشرية.

هذا بالنسبة للمداخلة أما بالنسبة لمقدمة المترجم فإنه يذكر نبذة عن حياة لابويسيه وإيمانه بأن " الردع الدموي لا يؤدي إلى القضاء على الخصوم، بل إلى تفاقم العداوة تفاقماً يهدد البلاد بحرب أهلية."

وفي المقالة هذه يستنكر لابويسيه قبول الناس بالعبودية لشخص معين طواعية وتنازلهم عن حريتهم لإنسان عادي مثله مثلهم ، لا يتفوق عليهم بشيء، له عينان اثنتان وأذنان ولسان ، حاله حال بقية البشر ، ورغم ذلك فلقد رضي الناس بالاستعباد رغم أنهم ولدوا أحرارا .

يقول لابويسيه: " وإنه لأمر يصعب على التصديق أن نرى الشعب متى تم خضوعه، يسقط فجأة في هاوية من النسيان العميق لحريته إلى حد يسلبه القدرة على الاستيقاظ لاستردادها، ويجعله يسرع إلى الخدمة صراحة وطواعية حتى ليُهيَأُ لمن يراه أنه لم يخسر حريته بل كسب عبوديته".

ويقول أيضاً :

"إن الشرارة تستفحل نارها وتعظم، كلما وجدت حطباً زادت اشتعالاً ثم تخبو وحدها دون أن نصب ماء عليها، يكفي ألا نلقي إليها بالحطب كأنها إذا عدمت ما تُهلك، تُهلك نفسها وتُمسي بلا قوة وليست ناراً.كذلك الطغاة كلما نهبوا طمعوا , كلما دمروا وهدموا، كلما موّناهم وخدمناهم زادوا جرأة واستقووا وزادوا إقبالاً على الفناء والدمار.فإن أمسكنا عن تموينهم ورجعنا عن طاعتهم صاروا، بلا حرب ولا ضرب، عرايا مكسورين لا شبيه لهم بشيء إلا أن يكون فرعاً عدمت جذوره الماء والغذاء فجف وذوى".

ويضيف أيضاً :

"يا لذل شعوب فقدت العقل ويا لبؤسها، يا لأمم أمعنت في آذاها وعميت عن منفعتها، تُسلبون أجمل مواردكم وأنتم على السلب عيان، تتركون حقولكم تُنهب ومنازلكم تُسرق وتُجرّد من متاعها القديم المورث عن آبائكم ! تحيون نوعاً من الحياة لا تملكون فيه الفخر بمِلْك ما، حتى كأنها نعمة كبرى في ناظركم لو بقى لكم ولو النصف من أملاككم وأسركم وأعماركم، وكل هذا الخراب، هذا البؤس وهذا الدمار يأتيكم لا على يد أعدائكم بل يأتيكم يقيناً على يد العدو الذي صنعتم أنتم كبره، والذي تمشون إلى الحرب بلا وجل من أجله ولا تنفرون من مواجهة الموت بأشخاصكم في سبيل مجده.هذا العدو الذي يسودكم إلى هذا المدى ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد ، ولا يملك شيئاً فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم، التي لا يحصرها العد إلا ما أسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم.فأنّى له بالعيون التي يتلصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي بها يصفعكم إن لم يستمدها منكم؟ أنّى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ كيف يقوى عليكم إن لم يقوا بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطؤكم معه؟".

ويحضرني في هذا المقام المقولة الخالدة : " كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" .

ويتحدث لابويسيه أيضاً عن صناعة الطاغية وكأن التاريخ يعيد تكرار نفسه ، فالصناعة هي نفس الصناعة ، سواء أكانت في عصره أم في عصرنا الحالي ، لا اختلاف كبير فيما بينهما ، يقول لابويسيه: " ما من طاغية يظن أبداً أن السلطان استتب له إلا بعد أن يصفي المأمورين بأمره من كل رجل ذي قيمة".

ومن الجدير بالذكر أن المترجم قام بإضافة هوامش توضيحية لبعض النقاط والأحداث والشخصيات المذكورة في مقالة لابويسيه والمجهولة بالنسبة لنا وذلك بهدف إيصال الفكرة بشكل أوضح وأبسط.

إن من يقرأ هذه المقالة والمداخلة التي سبقتها ليدرك أن الشعوب هي التي تصنع طواغيتها بالسكوت عن المهانة والرضا بالعبودية التي يختاروها بمحض إرادتهم للأسف.

******

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق