الأربعاء، 18 سبتمبر، 2013

الرياطي



# حوليات

(٨٠)

الرياطي

دخل أبي البيت مساءاً وكان متجهم الوجه ، طلب من أمي إعداد طعام العشاء ، وألقى نظرة على إخوتي النائمين في هدوء.

تناول أبي عشاءه دون أن ينبس ببنت شفة .. كانت تنظر أمي له وهي تشعر بأنه يخبئ لها شيئاً ، قامت بإعداد الشاي بالمرمية ، وجلست بجواره تنتظر أن يبدأ الحديث ، وبعد أن أنهى أبي شرب الشاي ، وضع رأسه على الوسادة وطلب منها أن توقظه باكراً.

-         لماذا ؟

-         سوف يأتي صديقي الرياطي في الصباح ، سوف نسافر غداً إلى العقبة .

-         ماذا ؟ ماذا تقول ؟

-         لقد سمعتي ما قلت !

-         يا ويلي .. يا ويلي ..

-         اصمتي يا امرأة .. وكفي عن الولولة.

-         كيف تسافر وتتركني وحيدة مع الصغار ؟ من سوف يعتني بنا ؟ ماذا افعل وحدي ؟

-         سوف اترك لك بعض النقود ، وإذا احتجت لشيء اطلبيه من والدك أو من أحد إخوتي ، لن أغيب طويلاً.

وأشار لها بيده أن تنهي النقاش ، وغرق في نومٍ عميق.

بقيت أمي مستيقظة، تفكر ماذا تفعل في هذه المصيبة التي حلت على رأسها. ربما هاجمته الوحوش الضارية أو عساكر الإنجليز أو قطعان المستوطنين، ماذا لو حدث له مكروه ولم يعد مرة أخرى إلى البيت.

هذا الرجل صعب المراس ولن تستطيع أن تثنيه عن رأيه، فهو عنيد، لا يستمع للنصيحة أبداً، ويفعل ما في رأسه دون استشارة أحد. بقيت متيقظة طوال الليل تفكر، لم يغفو لها جفن، وفي الصباح الباكر، تسللت عبر الباب الخشبي وتوجهت نحو الشارع الترابي الرئيسي للبلدة، تحمل معها عصا الخيزران التي تؤدب بها صغارها!

عندما وصلت إلى نهاية الشارع، جلست على صخرة تنتظر ..

لمحت من بعيد رجلاً يمتطي جملاً، وقد عرفته .. إنه الرياطي.

عندما اقترب الجمل منها، هاجمت الرجل بشراسة وسحبته من قدميه فأوقعته أرضًا، انهالت عليه بالضرب المبرح، وكان الرجل يصرخ من شدة الألم، لكنه لم يكن باستطاعته منعها فعاداتنا وتقاليدنا تمنع ضرب الرجل للمرأة الغريبة عنه.

-         من أنتِ يا امرأة ؟ وماذا تريدين مني ؟

-         عُد من حيث أتيت، ولا تحضر إلى هذه البلدة مرة أخرى، وإن فعلت لا تلم إلا نفسك.

-         حسنًا سوف افعل، ولكن اتركيني وشأني أيتها المجنونة.

هرب الرجل من أمامها ولحق به جمله، لم ينظر خلفه حتى اختفى عن الأنظار.

عادت أمي إلى البيت ودخلت إلى الحجرة على أطراف أصابعها ورقدت بجوار والدي وكأنه لم يحدث شيء.

أيقظته في موعده المحدد وأعدت له ولصغارها طعام الإفطار، كانت هادئة جداً بينما هو كان متوتراً، قام بإعداد جمله وتجهيز ما يلزم من طعام وماء، وجلس أمام الباب ينتظر قدوم صديقه الرياطي.

انتظر وانتظر ولم يظهر الرياطي في الأفق، توجس والدي خيفةً وبدأت الظنون تتلاعب في رأسه.

-         ربما عدل عن فكرة السفر! قالت أمي.

-         لا اعتقد ذلك، لقد اتفقنا بالأمس على السفر سوياً.

-         ربما سافر وحده!

-         ولماذا يسافر وحده ؟ كان بيننا اتفاق، فهو يعلم أني لا اعرف الطريق إلى العقبة جيداً ولا أستطيع أن أسافر وحدي.

-         ربما حدث له مكروه!

نظر أبي إلى أمي واستغرب من طريقتها في الحديث، فلقد كانت تناقشه بهدوء تام بعكس ليلة الأمس. غادر البيت متوجهاً إلى البلدة المجاورة حيث منزل صديقه الرياطي، سأل عنه فأخبروه أن سافر صباح اليوم إلى العقبة!

استغرب والدي وحاول أن يجد مبرراً لما فعله صديقه ولكنه لم يجد، فعاد إلى البيت بخُفي حُنين، وهناك وجد زوجته الهادئة في انتظاره وعلى وجهها ابتسامة رائعة، وقد أعدت له طبقًا من الملوخية والأرز الأبيض.

*****

هناك 4 تعليقات: