الأحد، 8 سبتمبر، 2013

كمامة الأكسجين



# حوليات

(٧١)

كمامة الأكسجين

كانت أيام عصيبة تلك التي صحبت غزو العراق للكويت عام ١٩٩٠ ، ولقد اتخذت القيادة الفلسطينية آنذاك الوقوف بجانب صدام حسين ، كيف لا وهو الذي وعد بتحرير فلسطين من اليهود ، كان الوقوف بجانبه مخاطرة سياسية وشعبية كبيرة ، أفقدتنا تعاطف الكثير من العرب ، وهنا لا احمَّل هذا الخطأ فقط للقيادات بل تجاوز ذلك حتى بلغ الشعب الفلسطيني نفسه الذي كان يتغنى في ذلك الوقت قائلاً : " شطبنا اسم الكويت وأعلناها عراقية " ولا اعرف هل كان ذلك جهلاً منه أم غباء .. ولكني متأكدة بأن الشعب الفلسطيني كان كالغريق الذي يتشبث بقشة بعد أن خذلته الأنظمة العربية جمعاء وتخلت عنه ليواجه مصيره بنفسه.

لم يكن ذلك دفاعاً عن اختيار خاطئ قامت به القيادة الفلسطينية ولا جماهيرها ، فالخطأ قد ركبنا من ساسنا لرأسنا، ونحن ندين باعتذار لكل مواطن كويتي تعرض للظلم وقسوة المحتل ، كيف نرضى بالظلم ونحن من عانى من الظلم لسنوات طويلة ومازلنا.

ولقد دفعنا ثمن ذلك غالياً عندما أوقفت الكويت دعمها المالي للشعب الفلسطيني وقامت فيما بعد بطرد كل الفلسطينيين من أراضيها ، ولم يتوقف دفع الثمن حتى بعد مرور العديد من السنوات ورغم اعتذار القيادة عن هذا الخطأ الفادح ، فلا أحد ينسى ظلم ذوي القربة ، وقد كان الثمن هذه المرة أكبر عندما هاجم بعض الكويتيين المناضل الفلسطيني فيصل الحسيني أثناء زيارته لحضور مؤتمر في الكويت ووجهوا له السباب وكالوه بالشتائم ، فلم يحتمل قلب المناضل الشريف كل هذا ، فسقط صريعاً لسكتة قلبية مفاجئة .

عاد أبي من العمل ويحمل في يده علبة بلاستيكية رمادية اللون ، تساءلنا فيما بيننا " يا ترى ما بها ، ولو كان بها لعبة فسوف تكون من نصيب من ؟"

جلس أبي بعد تناوله طعام الغداء ، يشرب الشاي بهدوء ، لمح الحيرة في عيوننا الصغيرة ، أخبرنا أن الإدارة المدنية " الإسرائيلية " منحت كل عامل في البلدية كمامة أكسجين لتقيه من الغازات الكيماوية التي قد تحملها صواريخ صدام وتسقط على المناطق التي يسكنها الفلسطينيون !

كان الهاجس الذي يسيطر على الناس في قطاع غزة والضفة الغربية هو الخوف ليس من صواريخ صدام بل من الرد الإسرائيلي ، كانت الإشاعات تملأ البلد ، أن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي ، وسوف تقوم بضرب الفلسطينيين بالكيماوي إذا فكر صدام حسين بضرب المناطق اليهودية بالأسلحة الكيماوية .

جهز والدي حجرة بالدور العلوي من بيتنا .. وضع فيها فرشة سرير كبيرة بالإضافة إلى بعض المعلبات وموقد صغير ، وقام بإغلاق الشباك بالبلاستيك ، فقد تم التعميم على المواطنين بأن الغازات الكيماوية ثقيلة وسوف تلتصق بالأرض ، ولذلك يفضل الصعود إلى الأدوار العليا بعيداً عنها.

كنا ننام في الدور الأرضي وبمجرد أن نسمع صوت صفارة الإنذار ، نهرع إلى تلك الحجرة في الأعلى ، تحملني أمي وأنا نصف نائمة وبيدي كمامتي ذات الرائحة الكريهة ، ويحمل أبي أختي ، ويركض أخوتي الكبار على الدرج قبلنا.

مرت الأيام ونحن على ذاك الحال ، إلا أن خوفنا من الصواريخ قد خفت بصورة كبيرة.

أمسينا نصعد على سطح البيت ، نراقب الصواريخ المنهمرة على الكيان الصهيوني ، ونتسابق في عدها ، خمسة ، عشرة ، أربعة وعشرون ، ثلاثون .. وهكذا.

كنا نشدوا معًا قائلين:

لما بـ نسمع صفارة .. صفارة إنذار

بـ نطلع ع المبنى وع سطوح الدار

رنت زغـرودة أمـي .. فوق الثـوار

دمر الجند الصهيوني وكل الأشرار

ومضت الأيام وانتهت الحرب المشئومة ولم يسقط ولا صاروخ كيماوي على دولة الصهاينة ، ولم تتحرر فلسطين كما وعد صدام حسين ولم نشطب اسم الكويت ولم نعلنها عراقية ، كل ما حدث أننا حصلنا على " سواد الوجه " وتم طرد كل الفلسطينيين المقيمين في الكويت كعقاب جماعي طال الشعب الفلسطيني قبل قيادته.

انتهت الحرب ولم يبقى منها سوى تلك الكمامة والتي احتفظت بها لفترة من الزمن ، ثم ألقيتها في القمامة بسبب رائحتها النفاذة والكريهة ، وأبقيت على علبتها " كنوع من الذكرى " واستخدمتها – فيما بعد - كسلة للمهملات في حجرتي!

****

هناك 6 تعليقات:

  1. المقال ده جميل جداا...يمكن انتى بتحكى ذكرياتك العادية لكن من غير ما تقصدى بتفكرينا بحتت مضلمة من التاريخ طالها تراب النسيان

    ردحذف
    الردود
    1. بالعكس يا دينا أنا قاصدة أني اتناول المواضيع العامة بطريقة شخصية لأنها بتكون أقرب للنفس وأسهل في العرض من الطريقة المباشرة الجافة .

      حذف
  2. الردود
    1. العفو ، سعيدة بالزيارة والتعليق .

      حذف
  3. مقالة تدعو للابتسام.. خاصة على شفاه من عاشوا التجربة.. وكاتبة تتقن البوح الجميل. كل التقدير.

    ردحذف
    الردود
    1. سعيدة بمرورك العطر هنا وخاصة أنها زيارتك الاولى ..

      وأهلا وسهلا بك دومًا

      حذف