الخميس، 7 أكتوبر، 2010

العلمانية آفة العصر



العلمانية كمـا أراهـــــا





استوقفتني بالأمس إحدى المقالات والتي يتحدث كاتبها عن العلمانية ، وأن العلمانية هي مخلّصة البشرية من التخلف والرجعية ، لقد استفزني هذا الكاتب بما كتب حيث أنني أبغض العلمانية ودعاتها ، فقررت أن أرد عليه لعلي أفنّد كذب ما كتب.
أيقظت المارد الذي بداخلي والذي يسعى دوماً لسبر أغوار أي معلومة مبهمة تعترضه ، فتوجهت إلى مكتبتي المتواضعة لعلي أجد بعض الكتب التي تتحدث عن العلمانية ، ولقد وجدت فعلاً بعضاً منها وهذه خلاصة ما توصلت إليه ،،،،
تعريف العلمانية /
العلمانية تعني اصطلاحاً فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة ، والعلمانية هي ترجمة غير صحيحة لكلمة  secularism  بالانجليزية أو sécularité بالفرنسية ، والترجمة الصحيحة لها هي " الدنيوية " أو " اللادينية " ، وهي كلمة غير مشتقة من العلم ، كما يزعم البعض وذلك للكذب على الناس بهدف تحسين صورتها .
وإذا بحثنا عن كلمة علماني في اللغة نجدها تعني /
1)   دنيوي أو مادي
2)   ليس ديني أو روحاني
العلمانية هي نظرية تقول : إن الأخلاق والتعليم يجب أن لا يكونا مبنيين على أسس دينية.
وهي حركة اجتماعية تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدنيا فحسب.
بداية ظهور العلمانية /
ظهرت العلمانية في فرنسا بعد الثورة سنة 1789 م ، وذلك كردة فعل على تحريف الإنجيل وطغيان وتحكم الكنيسة في المواطنين وإعدام العلماء والمفكرين بسبب تعارض الإنجيل مع الحقائق العلمية الثابتة ، وبالتالي بدأ الأوروبيون بالبحث عن مخرج من تحكم وظلم الكنيسة المتحالفة مع الحكام الطغاة ، ومن هنا كانت نشأة العلمانية.
هذا بالنسبة للإنجيل وما وقع عليه من تحريف وتزييف وتبديل أما القرآن الكريم فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والإسلام يحافظ على مصالح الناس ويحض على العلم ويكرم العلماء ، كما أنه لا يوجد فيه ما يعارض أي حقيقة علمية ثم اكتشافها قديماً أو حديثاً ، وهذا بشهادة علماء الغرب أنفسهم حيث يقول هورتن:
((في الإسلام وحده تجد اتحاد الدين والعلم. فهو الدين الوحيد الذي يوحد بينهما. فتجد فيه الدين ماثلاً متمكناً في دائرة العلم. وترى وجهة الفلسفة ووجهة العلم متعانقتين، فهما واحدة لا اثنتان)) ، ويقول اتيان دينيه:
((إن العقيدة الإسلامية لا تقف عقبة في سبيل الفكر، فقد يكون المرء صحيح الإسلام، وفي الوقت نفسه حر الفكر، ولا تقتضي حرية الفكر أن يكون المرء منكراً لله. لقد رفع (محمد) قدر العلم إلى أعظم الدرجات، وجعله من أول واجبات المسلم)).
تتفق العلمانية مع الديانة المسيحية في فصل الدين عن الدولة " أعط ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله " أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية ، يقول تعالى في كتابه المحكم / (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [الأنعام:162]
وقد وصلت العلمانية إلى العالم الإسلامي مع الاستعمار الحديث ، حيث دخلت العلمانية مصر مع حملة نابليون بونابرت .
أشكال العلمانية وصورها:
1)   العلمانية المُلحدة " الشاملة " / وهي التي تنكر الدين كلية وتنكر وجود الله .
2)   العلمانية غير المُلحدة " الجزئية " / وهي التي لا تنكر الدين ولا تنكر وجود الله ، ولكنها ترفض تدخل الدين في الدنيا وتدعو لفصل الدين عن السياسة ، وأن الدين هو علاقة خاصة بين الإنسان وما يعبد بحيث لا يكون لهذه العبادة تأثير في أقواله أو أفعاله خارج مكان العبادة، ويعتبر هذا الشكل هو الأخطر على عوام المسلمين .
وغالباً ما نجد الكثير من العلمانيين في الوطن العربي والعالم الإسلامي يطلقون على أنفسهم لقب المفكرين ومنهم الأدباء والكتّاب والصحفيين الذين يعملون في المجال الإعلامي وهم على اتصال مباشر مع العوام من خلال وسائل الإعلام الكثيرة والمنتشرة وبالتالي فهم أخطر فئة على عوام المسلمين .
مظاهر العلمانية في العالم العربي والإسلامي :
1)   البعد عن الشريعة الإسلامية والاستعاضة عنها بالقوانين الوضعية، واعتبار الدعوة إلى الحكم بالتشريع الإسلامي هو دعوة للتخلف والرجعية.
2)   الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة ومحاولة تزييف التاريخ الإسلامي وتصويره على أنه تاريخ همجي.
3)   الزعم بأن الإسلام عبارة عن طقوس وشعائر روحية وأنه لا يتلاءم مع الحضارة.
4)   العمل على تشويه الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات العلمانية على أنها حركات إصلاح وتغيير.
5)   إفساد التعليم وجعله خادماً لنشر الفكر العلماني وذلك عن طريق /
1- بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية المختلفة .
2- جعل مادة الدين مادة هامشية لا تؤثر في تقديرات الطلاب.
3- منع المعلمين المتدينين من التدريس حتى لا يؤثروا في الطلاب.
6)   نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وذلك عن طريق/
1- وضع قوانين تبيح ممارسة الرذيلة " الزنا والشذوذ " وذلك تحت عنوان الحرية الشخصية .
2- استخدام وسائل الإعلام المختلفة في محاربة الدين والفضيلة ونشر الرذيلة.
3- محاربة الحجاب بوصفه دليل على الرجعية والتخلف والدعوة إلى السفور والاختلاط.
4- الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي.
7)   محاربة الدعوة الإسلامية وذلك عن طريق/
1- العمل على عدم نشر الكتب الدينية والسماح للكتب المنحرفة بالنشر من باب الحرية الفكرية !!
2- مطاردة الدعاة ومحاربتهم والتخلص منهم بالنفي أو السجن أو القتل .
8)   إنكار فريضة الجهاد في سبيل الله واعتبارها نوع من أنواع الإرهاب ، والقتال الجائز عندهم هو فقط القتال للدفاع عن المال أو الأرض.
9)   الدعوة إلى القومية أو الوطنية والبعد عن الدين.
وسائل العلمانية لنشر الفساد في العالم العربي والإسلامي:
1)   إغراء ذوي النفوس المريضة من المسلمين بالمال أو المنصب أو النساء وذلك لبث سموم العلمانية عبر الوسائل الإعلامية للعوام من الناس وذلك لإظهارهم بمظهر العلماء والمفكرين.
2)   منح الجوائز العالمية لدعاة العلمانية بهدف إيهام الناس بأنهم هم خيرة وصفوة المجتمع.
3)   الحديث عن المسائل الخلافية في الدين وتضخيم ذلك حتى يعتقد الناس أن لا شيء مؤكد في الدين وبالتالي الانصراف عنه.
4)   إنشاء المدارس والجامعات والمراكز الثقافية الأجنبية والتي تختبئ العلمانية بين ثناياها حيث تعمل على نشر الفكر العلماني بين أبناء المسلمين.
دور اليهود في نشر العلمانية:
لليهود دور بارز في ترسيخ العلمانية من أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلاً بينهم وبين شعوب الأرض ، فإذا نظرنا إلى مؤسسي العلمانية ودعاتها الأوائل نجد أن غالبيتهم من اليهود أمثال / دور كايم – فرويد – كارل ماركس صاحب مقولة " الدين أفيون الشعوب" وغيرهم.
ولقد حاول اليهود تعميم نظرية " العداء بين العلم من جهة والدين من جهة أخرى " لتشمل الدين الإسلامي على الرغم من أن الإسلام لم يقف موقف الكنيسة ضد العلم بل كان سباقاً إلى تطبيق المنهج التجريبي ونشر العلوم.
ولقد شنت العلمانية حرباً على كل الأديان وفي مقدمتها الإسلام أما الديانة اليهودية فلم تتعرض لها بحجة أن اليهود شعب مظلوم ، يحتاج لدينه ليستعيد حقوقه المغتصبة !!
أسباب تسرب العلمانية إلى العالم الإسلامي :
1)   انحراف الأمة الإسلامية وتأخرها في القرون الأخيرة وكان من أهم سمات هذا الانحراف هو ذلك الانحراف عن فهم الإسلام نفسه وانحسار مفهوماته التصورية في معانٍ ضيقة ومدلولات محدودة.
2)   التخطيط الغربي اليهودي ، فلقد أدرك الغرب من تجربة الحروب الصليبية أن قوة المسلمين في دينهم ، وأنه لا سبيل إليهم إلا بتحطيم هذا الدين،  وصرح بذلك الهدف رئيس وزراء بريطانيا جلادستون عندما وقف في مجلس العموم البريطاني يتحدث عن خطة الاستعمار البريطاني في العالم الإسلامي فقال/
" ما دام هذا القرآن موجوداً بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان ".
هدف العلمانية في العالم الإسلامي :
1)   جعل الأمة الإسلامية تابعة للغرب سياسياً وثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً.
2)   عزل الدين الإسلامي عن توجيه حياة المسلمين وبالتالي إضعافهم وسهولة التحكم بهم وجعلهم غثاءً أحوى.
3)   إقصاء الشريعة الإسلامية ليزول عن المسلمين الشعور بالتميز والاستقلالية وبالتالي تحقيق التبعية للغرب.
حكم العلمانية في ظل الدين الإسلامي:
الإيمان بالعلمانية واتخاذها كمبدأ أو أسلوب أو نهج حياة يُعتبر كفر ونقض من نواقض الإسلام ، يقول الشيخ عبد العزيز ابن باز:
" ويدخل في القسم الرابع – أي من نواقض الإسلام – من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين ، أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين أو أنه يحُصر في علاقة المرء بربه ، دون أن يتدخل في شئون الحياة الأخرى "
فالعلمانية تعني أن يعتقد الإنسان بأنه غير ملزم بالخضوع لأحكام الله في كل نواحي الحياة ، ومن اعتقد هذه العقيدة فهو كافر بإجماع العلماء ، قال تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة/44 وقال تعالى أيضاً في سورة النساء/65 : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
 يرى العلمانيون " أن الإنسان كائن متغير ، ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات وأن هذا يعني الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي " ، هذا إذا قارناه بالأديان الثابتة والجامدة وليس الدين الإسلامي ، إن التزام الإنسان بشريعة الله لا يعني الحجر عليه ، لأن الله أودع في الشرائع عنصري الثبات والخلود وعنصر المرونة والتطور معاً ، فالثبات على الأهداف والغايات ، والمرونة في الوسائل والأساليب ، الثبات على الأصول والكليات ، والمرونة في الفروع والجزئيات ، الثبات على القيم الدينية والأخلاقية والمرونة في الشئون الدنيوية والعلمية.
إن الشريعة الإسلامية قد تركت للعقل البشري مساحات واسعة للتفكير والابتكار والإبداع ، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم / " أنتم أعلم بأمور دنياكم " رواه مسلم، وقال أيضاً / " ما أحل الله، فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ثم تلا (وما كان ربك نسياً) (سورة مريم:64) ومثله حديث: "إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" رواه الدارقطني.

واجب المسلمين في محاربة آفة العلمانية :
إن المسلم ليحمل على كاهله لواء محاربة العلمانية وغيرها من الآفات التي تنخر في جسد الأمة الإسلامية يوماً بعد يوم ، وهذه مهمة ليس هينة بالمطلق ، ففي ظل تراجع وتخلف الأمة وطغيان الحكام وبعدهم كل البعد عن الدين ، وضياع الشباب المسلم وبعده عن الدين والعلم ، وانغماسه في الشهوات والملذات ، أصبحت محاربة العلمانية ضرب من الخيال ، وهذا ليس مدعاة إلى الركون والشعور بالخيبة والانهزام بل على العكس لابد علينا محاربتها كلٌ في موضعه ومكانه بلا كلل أو ملل ، فهجمة العلمانية علينا كانت شرسة وقد تغلغلت كثيراً في المجتمع ومحاربتها ليس بالأمر السهل أو الهين فهي تحتاج إلى إعداد وخبرة وجهود وجهاد وبذل وتضحية ، وهذا واجب وفرض على كل مسلم غيور على دينه.
وهناك عدة خطوات يجب على المسلم إتباعها في مكافحة هذه الآفة وهي /
1)   العمل على أسلمة المناهج بحيث تصب في خدمة الإسلام.
2)   تنقية وتنقيح الكتب الدراسية والمواد العلمية من الكفريات المدسوسة بها .
3)   نشر العلم الصحيح بين المسلمين وتوعيتهم بأمر دينهم عقيدة وأحكاماً وأخلاقاً وذلك لحمايتهم من التأثر بالآخرين.
4)   إعداد مطويات مختصرة تكشف النقاب عن الوجه القبيح للعلمانية.
5)   دعم المسلمين الذين يحاربون العلمانية بكافة وسائل الدعم المالي والأدبي والإنساني.
6)   إن مكافحة العلمانية وفضح مأربها هو واجب على كل مسلم ومسلمة .
7)   السير على منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عند البعض.
8)   الالتزام بالأخلاق والضوابط الإسلامية في كل تعاملاتنا اليومية وليس فقط في العبادات.
9)   تنشئة الأبناء تنشئة إسلامية قائمة على تعاليم الإسلام الصحيحة.
10)     وجوب العمل لإحلال شريعة الله محل شريعة الكفر وعدم الرضا بأي قانون أو تشريع يخالف شريعة الله.


المراجع/
1- القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
2- العلمانية وثمارها الخبيثة ، لمحمد شاكر الشريف.
3- " الناقض الرابع من نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتاب العقيدة الصحيحة للشيخ عبد العزيز ابن باز ، ص 28 " .
4- العلم في الإسلام , للدكتور  أبو الوفا التفتازاني.
5- مذاهب فكرية معاصرة ، محمد قطب.
6- الاتجاهات الفكرية المعاصرة ، للدكتور علي جريشة.
7- العلمانية ، للشيخ العلامة سفر الحوالي.
8- بعض المواقع على شبكة الانترنت.

وأخيراً ، هذا ما توصلت إليه بعد بحث ودراسة استمرت أكثر من أسبوع ، اشعر الآن بالراحة النفسية لأنني أشبعت روحي المتعطشة لمعرفة وتحليل ما تسمى العلمانية ، وأتمنى أن أكون قد أصبت كبد الحقيقة من خلال هذه المادة البحثية ، والتي استفدت منها كثيراً ، وأتمنى أن تستفيدوا منها أنتم أيضاً .








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق